تصور العالم الثاني :
يجب تصور ذلك العالم الثاني ، الخالي من الحقد ومن لا شهوة ومن الغضب
ومن الجبن والخور والحزن ، ومن الكفاح لأجل العيش ، أو القتال لأجل
الحياة ، في دار غرسها الله بيده ، وجعلها مقرا لأحبابه ، وملأها من رحمته
وكرامته ورضوانه ، ووصف نعيمها بالفوز العظيم وملكها بالملك الكبير ،
وأودعها جميع الخير بحذافيره ، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص !
ففي الجنة أشياء كثيرة مادية ، سينعم المؤمن الصالح بها ، ولكن لن يحول
وجودها بين ألها وبين الالتذاذ الروحي بها وبما هو أسمى منها ، من عدم وجود
اللغو أو التأثيم ، بل بث فكرة السلام ، سلام القلب والروح ، وكرامة الله
ورضوانه !
الحق أن تشبثنا بالحسيات ، دعانا إلى فهم أن اللذة قاصرة عليها ، أو أنها
أصل وما عداها تابع أو فرع ، وفاتنا أن القائلين بذلك يعكسون الأمور ،
لأن السمو لا يقاس بالكثرة ، بل يقاس بالتأثير ، على أنهم إذا تدبروا لوصلوا
إلى أن الصريح من السلام ورضوان الله ، لن تكون لذته إلا روحية ، وما في
الجنة من صور حور وولدان ، فأسمى تمتع بها روحي ، بالنشوة التي يبعثها الجمال
والتقديس الواجب لخالق ها الجمال ، وكل من النشوة والتقديس روحي ،
وما عدا ذلك من فاكهة وأنهار ولحم طير ونكاح للحور ، وما في الجنة من الأواني
والفرش ، فلن يبقى للحسيات منها بعد فكرة النشوة الروحية ، من رؤية جميل
أو شم جميل أو ذوق جميل أو لمس أو سماع جميل ، إلا القليل ، ثم لذة البدن
قاصرة ، فلذة العين في النظر إلى ما تستحسنه ، ولذة السمع في الاستماع إلى
ما يستطيبه ، ولذة المس في لمس ما يستلذه ، وهكذا ، أي أن لكل جزء لذة
تختص به لا يشاركه فيها غيره ، لذا تعرض لها الآفات في الدنيا ، فتعوقها عن
شهوتها ، ولكن يحصل التعميم في الآخرة ، كما ذكرنا بأن يلتذ بالنظر بكلياته
وبالسمع بكلياته ، وهكذا ، وهذا التعميم كما تعرف في الدنيا قاصر على الروح ،
بمعنى أن لذة الروح لكبرها وسموها ، لا تقبل التخصيص ، ولذا لن نتصور
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 311
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣١١