فما ذنبي وما جرى يا رب أحل عليه العذاب ، ونجني " ، قال : فيضرب الله تعالى
لهما مثلا ، كالأعمى والمقعد يصطحبان ، أما الأعمى ، فلا يبصر ، والمقعد لا يقدر
على المشي ، فبلغا إلى بستان ، فجلسا وتشاورا وطلبا حيلة ، فقال الأعمى " أنا لا أبصر ،
فمر أنت وآت بالعنب " ، وقال المقعد " بل مر أنت ! فإني لا أقدر على المشي " ،
ثم تناظروا وتناصفا ، وقالا " هذا " هذا أمر لا يتم بأمر دون الآخر ، يا أعمى قم أنت
فارفعني ، حتى أتسلق الحائط ، وأقطف العنب " ، فلما توافقا ، قطعا العنب
وأكلاه ، وقال المقعد " لولا أنت يا أعمى ، لما أكلت ! " وقال الأعمى " لولا
أنت يا مقعد ، لما أكلت ! " .
ونحن لم ننكر تمتع الروح والجسد ، فالذي يحتمل الجدال ، ليس ذكر أن
النعيم سيلحق الجسم والروح ، أم لا ، ؟ لأنا على ذلك ، بل هل أغلب اللذات
سيكون حسيا أو روحيا ؟
على أن وجود الأشياء الحسية في الجنة ، لا يعني أن التمتع سيكون حسيا
مطلقا ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يجب ملاحظة تغيير ما في طبيعة الإنسان
ونشأته في الدنيا ، عنها في الآخرة ، لوجود قوى نفسية نازعة للبهيمية ، وعدم
إمكان تصور هذا في الآخر ، على فهم أن أصحاب الجنة لم يصلوا إليها إلا لأنهم
فهموا خصائص الروح ، وتمتعوا كثيرا ، كل حسب درجته بلذاتها ، فلا يعقل أن
يكون حبهم للذة الروحية في العالم الثاني ، أقل من حبهم لها في عالمهم الدنيوي !
ثم إن للجو حكمه فجو الجنة جو روحي ، لا يمكن أن يعمد إنسان إلى الخروج
عنه ! على أن الحسيات لها بعض العناية بها ، وللذاتها بعض الرغبة فيها ، على أن
تكون ثانوية وتابعة ، وعلى أن تنحو نحو الفكرة الروحية !
ويكفي أصحاب النظرية الحسية ، من علامات روحية اللذات في الجنة ، أن
أصحاب الجنة سيكونون ولا اختلاف بينهم ، ولا تباغض ، قلوبهم على قلب
واحد ، يسبحون الله بكرة وعشية ، وتحيتهم فيها سلام ، وآخر دعواهم أن
الحمد الله رب العالمين ( 1 ) !
هامش
( 1 ) هذا ردنا رد على رد أستاذنا المرحوم الدكتور زكي مبارك في العدد 316 من
الرسالة . راجع ص 1803 و 1804 من العدد 323 من مجلة الرسالة ص 8 لمحمود علي قراعة .