وعقلية لا حسية ، وفعلية لا انفعالية ، وإلهية لا بهيمية ! " ثم يحدثنا بعد ذلك
عن " الجوهر الإلهي الذي في الإنسان ، وأنه إذا صفا من كدورته التي حصلت
من ملابسة الطبية ، ولم تجذبه أنواع الشهوات وأصناف محبات الكرامات ،
اشتقاق إلى شبيه ، ورأى بعين عقله ، الخير الأول المحض الذي لا تشوبه مادة ،
فأسرع إليه ، وحينئذ يفيض نور ذلك الخير الأول عليه ، فيلتذ به لذة لا تشبهها
لذة ، ويصير إلى معنى الاتحاد ، استعمل الطبيعة البدنية أم لم يستعملها ، إلا إنه
بعد مفارقته الطبيعة بالكلية ، أحق بهذه المرتبة العالية ، لأنه ليس يصفو الصفاء
التام ، إلا بعد مفارقته الحياة الدنيوية ! "
فترى من هذا كله ، إعزاز الجانب الروحي في الدنيا ، وهو بلا ريب في
الآخرة أعز ، وفي الجنة أوفى ! وبذا ترى أن أسمى جزء في التمتع ، هو التمتع
بالفكرة الروحية ، وأن يكون المؤمنون في مقعد صدق ، عند مليك مقتدر ،
ينظرون إلى وجه الله الكريم ، وقد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم ، ولهم
فيها كل ما يشتهون ، وأنهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون ، وأنهم ينالون
بالنظر من الله ، ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ( 1 ) !
مدى تمتع كل من الروح والجسد :
هناك من يرى أن الجنة رمز ومجاز ، ولكن لما كانت اللذات الأخروية ،
هي لذات لا تدرك إلا بالعقل المحض ، فقد قال مثل العلامة الأصفهاني " أنه لما
أراد الله أن يقرب معرفة تلك اللذات من أفهام الكافة ، شبهها ومثلها لهم ،
بأنواع ما تدركه حواسهم ، فقال تعالى " مثل الجنة التي وعد المتقون ، فيها أنها
من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغر طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ،
وأنهار من عسل مصفى " ، ليبين للكافة طيبها بما عرفوه من طيب المطاعم ، وقال
" مثل الجنة " ، ولم يقل الجنة ، لينبه الخاصة على أن ذلك تصوير وتمثيل ، وأن
الإنسان إن اجتهد ما اجتهد أن يطلع على تلك السعادة ، فلا سبيل إليها إلا على
هامش
( 1 ) راجع مجلة الرسالة ص 1681 - 1684 من العدد 321 س 7 لمحمود علي قراعة .