والخلق الأعلى الأشرف ، وما نزههم الله عنه من هذه القاذورات ، علموا بالجملة
أنهم أقرب إلى الله تعالى وأعلى رتبة من الناس ، وأنهم غير محتاجين إلى شئ
من حاجات البشر ، بل يعلمون أن خالقهم وخالق كل شئ ، الذي تولى إبداع
الكل ، هو منزه عن هذه الأشياء ، متعال عنها غير موصوف باللذة والتمتع ، مع
التمكن من إيجادها ، وأن الناس يشاركون في هذه اللذات الخنافس والديدان
وصغار الحشرات والهمج من الحيوان ، وإنما يناسبون الملائكة بالعقل والتمييز " !
وبذا ترى ابن مسكويه ، وضع لنا أساسا ساميا نبيلا في تقدير اللذات ، وأن
أسماها ما كان ربانيا ! ويقول " إن الإنسان ذو فضيلة روحانية ، يناسب بها
الأرواح الطيبة التي تسمى ملائكة ، وذو فضيلة جسمانية ، يناسب بها الأنعام
لأنه مركب منهما ، فهو بالخير الجسماني الذي يناسب به الأنعام ، مقيم في هذا
العالم السفلي مدة قصيرة ليعمره وينظمه ويرتبه ، حتى إذا ظفر بهذه المرتبة على
الكمال ، انتقل إلى العالم العلوي ، وأقام فيه دائما سرمدا ، في صحبة الملائكة
والأرواح الطيبة " !
وابن مسكويه يقرر أنه " ليس يعني بالعلوي المكان الأعلى في الحس ،
ولا بالسفلى المكان الأسفل في الحس ، بل كل محسوس فهو أسفل ، وإن كان
محسوسا في المكان الأعلا ، وكل معقول فهو أعلا ، وإن كان معقولا في المكان
الأسفل " ثم يذكر لنا أن " للحس لذة عرضية على حدة ، وأن للعقل لذة ذاتية
على حدة ، وأن من لا يعرف اللذة الذاتية ، لا يعرف اللذة بالحقيقة ولا يلتذ بها ! "
وهو يسمى اللذة الناقصة التي تشاركنا فيها الحيوانات " لذة انفعالية " ويسمى
التامية التي يختص بها الحيوان الناطق " لذة فعلية أي فاعلة " وسمى اللذات الحسية
المقترنة بالشهوات " عرضية ، لأنها تزول سريعا وتنقضي وشيكا ، بل تنقلب
لذاتها فتصير غير لذات ، بل تصير آلاما كثيرة أو مكروهة بشعة مستقبحة ،
أما اللذة الذاتية فتسمى كذلك ، لأنها لا تصير في وقت آخر غير لذة ، وتنتقل
عن حالتها ، بل هي ثابتة أبدا " !
وخرج ابن مسكويه من هذا بالحكم بأن " السعيد تكون لذته ذاتية لا عرضية ،
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 307
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٠٧