اكتسبته النفس في هذا العالم ، فإن تطهرت هنا بالتوبة النصوح والحسنات
الماحية والمصائب المكفرة ، لم يحتج إلى تطهيرها هناك ، وقيل لها مع جملة
الطيبين " سلام عليكم طبتم ، فادخلوها خالدين " ( أي ادخلوا الجنة ) ، وإن
لم تتطهر في هذه الدار ، ووافت الدار الأخرى بدرنها ونجسها وخبثها ، أدخلت
النار طهرة لها ، ويكون مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن والخبث والنجاسة
التي لا يغسلها الماء ، فإذا تطهرت الطهر التام ، أخرجت من النار ( 1 ) !
وقال تعالى في صفة النار " حتى إذا جاءوها ، فتحت أبوابها " ( بغير واو ) ،
ولكن عند ذكر الجنة ذكر الواو " وفتحت " .
ويقول ابن القيم ما خلاصته إن السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة ،
وذكره في آية أهل النار ، أن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة ،
حتى إذا وصلوا إليها ، فتحت في وجوههم ، فيفجأهم العذاب بغته ، وأما الجنة ،
فإذا انتهوا إليها ، صادفوا أبوابها مغلقة ، فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن
يفتحها لهم ، ويستشفعون إليه بأولى العزم من رسله ، وكلهم يتأخر عن ذلك ،
حتى تقع الدلالة على خاتمهم وأفضلهم ، فيقول " أنا . . . لها " ، فيأتي إلى تحت
العرش ويخر ساجدا لربه ، فيدعه ما يشاء أن يدعه ، ثم يأذن له في رفع رأسه ،
وأن يسأل حاجته ، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها ، فيشفعه ليفتحها ،
تعظيما لخطرها وإظهارا لمنزلة رسوله وكرامته عليه . وتأمل في سوق أهل
الدارين زمرا ، أهل الجنة ، مستبشرين مبشرين بدخولها ، بالدخول إلى المقاعد
والمنازل ، وأهل النار ، مغتمين مبكتين مصغرين ، بقول خزنتها لهم " ادخلوا
أبواب جهنم " صغارا لهم وإذلالا وخزيا ( 2 ) !
وعن أنس ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ( 3 ) " ، وقال الله تعالى حكاية
هامش
( 1 ) راجع ص 192 من حادي الأرواح لابن القيم .
( 2 ) راجع ص 88 - 99 من حادي الأرواح لابن القيم .
( 3 ) راجع ص 240 من تيسير الوصول للشيباني ج 3 .