غاب عنا من سلطانك ، وما أسبغ نعمك في الدنيا وما أصغرها في نعيم الآخرة !
من ملائكة أسكنتهم سمواتك ورفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك ،
وأخوفهم لك ، وأقربهم منك ، لم يسكنوا الأصلاب ولم يضمنوا الأرحام
ولم يخلقوا من ماء مهين ولم يشعبهم ريب المنون ، وإنهم على مكانهم منك
ومنزلتهم عندك واستجماع أهوائهم فيك وكثرة طاعتهم لك وقلة غفلتهم
عن أمرك ، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقروا أعمالهم ولزروا
على أنفسهم ، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك ولم يطيعوك حق طاعتك !
سبحانك خالقا ومعبودا بحسن بلائك عند خلقك ، خلقت دارا وجعلت
فيها مأدبة ، مشربا ومطعما ، وأزواجا وخدما وقصورا وأنهارا وزروعا
وثمارا ، ثم أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغبت
إليه رغبوا ولا إلى ما شوقت إليه اشتاقوا ، أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها
واصطلحوا على حبها ، ومن عشق شيئا أعشى بصره وأمرض قلبه ، فهو ينظر
بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشهوات عقله وأماتت
الدنيا قلبه وولهت عليها نفسه ، فهو عبد لها ولمن في يده شئ منها ، حيثما زالت
زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها ، ولا يزدجر من الله بزاجر ولا يتعظ
منه بواعظ ، وهو يرى المأخوذين على الغرة حيث لا إقالة ولا رجعة ، كيف
نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا
من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت
عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم ،
ثم ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنه لبين أهله
ينظر ببصره ويسمع بأذنه ، على صحة من عقله وبقاء من لبه ، يفكر فيم أفنى
عمره وفيم أذهب دهره ، ويتذكر أموالا جمعها ، أغمض في مطالبها وأخذها
من مصرحاتها ومشتبهاتا ، قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها ، تبقى
لمن وراءه ، ينعمون فيها ويتمتعون بها ، فيكون المهنأ لغيره والعب ء على ظهره ،
والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعض يده ندامة على ما أصحر له عند الموت
من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره ، ويتمنى أن الذي كان يغبطه
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 172
مساهمون: محمود علي قراعة
ص١٧٢