نطفة أو ناقعة دم ومضغة أو ناشئة خلق أو سلالة ، لم يلحقه في ذلك كلفة
ولا اعترضته في حفظ ما ابتدعه من خلقه عارضة ولا اعتورته في تنفيذ
الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة ، بل نفذ فيهم علمه وأحصاهم عده
وغمرهم فضله مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله !
اللهم أنت أهل الوصف الجميل وتعداد الكمالات الكثير ، إن تؤمل فخير
مؤمل وإن ترج فأكرم مرجو ، اللهم وقد بسطت لي فيما لا أمدح به غيرك
ولا أثنى به على أحد سواك ولا أوجهه إلى معادن الخيبة ومواضع الريبة ،
وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين والثناء على المربوبين المخلوقين ، اللهم ولكل
مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء أو عارفة من عطاء ، وقد رجوتك دليلا
على ذخائر الرحمة وكنوز المغفرة ، اللهم وهذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي
هو لك ولم ير مستحقا لهذه المحامد والممادح غيرك ، وبي فاقة إليك لا يجبر
مسكنتها إلا فضلك ولا ينعش من خلتها إلا منك وجودك ، فهب لنا في هذا
المقام رضاك واغننا عن مد الأيدي إلى سواك ، إنك على كل شئ قدير ( 1 ) "
" كل شئ خاضع له وكل شئ قائم به ، غنى كل فقير وعز كل ذليل
وقوة كل ضعيف ومفزع كل ملهوف ، ومن تكلم سمع نطقه ، ومن سكت علم
سره ، ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فإليه منقلبه ، لم ترك العيون فتخبر
عنك ، بل كنت قبل الواصفين من خلقك ، لم تخلق الخلق لوحشة ،
ولا استعملتهم لمنفعة ، ولا يسبقك من طلبت ، ولا يفلتك من أخذت ،
ولا ينقص سلطانك من عصاك ، ولا يزيد في ملكك من أطاعك ، ولا يرد
أمرك من سخط قضاءك ، ولا يستغني عنك من تولى عن أمرك ، كل سر عندك
علانية وكل غيب عندك شهادة ، أنت الأبد لا أمد لك ، وأنت المنتهى
لا محيص عنك ، وأنت الموعد لا منجأ منك إلا إليك ، بيدك ناصية كل دابة ،
وإليك مصير كل نسمة ، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، وما أصغر
عظمة في جنب قدرتك ، وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما
هامش
( 1 ) راجع ص 174 - 198 من نهج البلاغة ج 1 .