إلا وعليه ملك ساجد أو ساع حافد ، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما ،
وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما !
كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ولجج بحار زاخرة ، تلتطم أو أذى
أمواجها وتصطفق متقاذفات أثباجها وترغو زبدا كالفحول عند هياجها ، فخضع
جماح الماء المتلاطم لثقل حملها وسكن هيج ارتمائه إذ وطئنه بكلكلها وذل مستخذيا
إذ تمعكت عليه بكواهلها ، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا وفي
حكمة الذل منقادا أسيرا ، وسكنت الأرض من مدحوة في لجة تياره وروت من
نخوة بأوه واعتلائه وشموخ أنفه وسمو غلوائه ، وكعمته على كظة جريته ، فهمد
بعد نزقاته ولبد بعد زيفان وثباته ، فلما سكن هياج الماء من تحت أكنافها
وحمل شواهق الجبال الشمخ البذخ على أكتافها ، فجر ينابيع العيون من
عرانين أنوفها وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها وعدل حركاتها بالراسيات
من جلاميدها وذرات الشناخيب الشم من صياخيدها ، فسكت من الميدان
لرسوب الجبال في قطع أديمها وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها وركوبها
أعناق سهول الأرضين وجراثيمها ، وفسح بين الجو وبينها وأعد الهواء متنسما
لساكنها وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها ، ثم لم يدع جرز الأرض التي
تقصر مياه العيون عن روابيها ولا تجد جداول الأنهار ذريعة إلى بلوغها ،
حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها وتستخرج نباتها ، ألف غمامها بعد افتراق
لمعه وتباين قزعه ، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه والتمع برقه في كففه ولم ينم
وميضه في كنهور ربابه ومتراكم سحابه ، أرسله سحا متداركا ، قد أسف هيدبه ،
تمريه الجنوب درر أهاضيبه ودفع شآبيبه ، فما ألقت السحاب برك بوانيها
وبعاع ما استقلت به من العب المحمول عليها ، أخرج به من هوامد الأرض
النبات ومن زعر الجبال الأعشاب ، فهي تبهج بزينة رياضها تزدهر بما ألبسته
من ريط أزاهيرها وحلية ما سمطت به من ناضر أنوارها ، وجعل ذلك بلاغا
للأنام ورزقا للأنعام ، وخرق الفجاج في آفاقها وأقام المنار للسالكين على
جواد طرقها .
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 169
مساهمون: محمود علي قراعة
ص١٦٩