بوخزات مؤلمة ، ثم تدفق العرق غزيرا ، لأني جاملت في الحق آدميين ،
وكان يجب علي نصر الحق ، ولو أغفلت هذه المجاملة لهؤلاء الفانين ، ولكن
في الوقت نفسه اغتبطت وطرب قلبي ، لأني بهذا التألم برهنت لي نفسي على
أني من المؤمنين الصادقين !
ولقد اهتدى الأعرابي بفطرته السليمة للتوحيد فقال : " البعرة تدل على
البعير ، وأثر الأقدام يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ،
كيف لا تدلان على اللطيف الخبير ؟ ! "
فالبعد عن مقتضى الفطرة السليمة ، والجهل ، هما اللذان يدفعان غير المسلم
إلى الكفر والإشراك بالله ، ولقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان الأول
وألقى في غريزته عبادته ، حتى إذا ما ابتعد الناس عن منشأهم وكثرت أكاذيب
الرواة ، فسد الاعتقاد بالله على قدر فساد المدارك ، فأصبحوا يعبدون ما ظهر
لأعينهم ، ونحتوا الأصنام بأيديهم وكانوا يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ، فنشأت
عن ذلك الوثنية ، وابتعد بها الإنسان عن عبادة الخالق الواحد الأحد ،
فأرسل سبحانه وتعالى للناس رسله لهدايتهم وإنارتهم وإخراجهم من الضلال !
( 2 ) ولوحظ أنه حتى في عهود الوثنية ، كانت تأتي للناس فكر توحيدية ،
وكان بهم حنين حتى وهم غارقون في ضلالهم ، لبصيص من نور الهدى ! !
فنجد مثلا ( أمين حوتب الرابع ) أو ( أمينوفيس ) المعروف باسم
( خوان اتن ) الضوء الموجود في قرص الشمس ، تولى عرش الفراعنة
سنة 1375 قبل الميلاد يقول وهو في الثامنة عشرة من عمره " إن الله واحد
لا شريك له في ملكه ، وجميع خلقه إخوة " ، وأنكر تعدد الآلهة وأزال
أسماءها من على الآثار ، وأقام مكانها إلهه الواحد ( اتن ) !
هجر طيبة وابتنى مدينة الأفق ( تل العمارنة ) واتخذها كرسي ملكه وجعل
من هيكلها مشرعا لدينه الجديد ، ولم يضع فيه صورة ولا تمثالا ، لأن الله
في عرفه أجل من أن يصور أو يمثل بشئ ، وإن يكن قد وضع في هيكله صورة
قرص الشمس تمتد منها أشعة تنتهي بأيد بشرية مشيرة إلى أنها القوة التي تبعث
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 14
مساهمون: محمود علي قراعة
ص١٤