لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحة واصلة إليه ولا لثقل
شئ منها عليه ، لم يمله طول بقائها ، فيدعوه إلى سرعة إفنائها ، لكنه سبحانه
دبرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثم يعبدها بعد الفناء من غير
حاجة منه إليها ، ولا استعانة بشئ منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة
إلى حال استئناس ، ولا من حال جهل وعمى إلى حال علم والتماس ، ولا من
فقر وحاجة إلى غنى وكثرة ، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة ( 1 ) " !
( 1 ) أذكر أن لي قريبا دفعه حقده إلى أن يأمر أولاده بعدم تحيتي ،
فأساء بذلك تربيتهم وهدم بذلك ركنا ركينا من تأديبهم ، ولكن له طفلة أسعد
بتحيتها في الصباح كلما توجهت إلى عملي ، بابتسامة بريئة عذبة ، هي ابتسامة
وبراءة الفطرة ! وكنت في صغرى أسكن بجواز مخزن للخمور لمسيحي ،
فتوهمت أني أكون خيرا لو أفسدت على صاحب المخزن بضاعته ، فكنت
أجمع الصبية من جيراني ونلقي من فوق السطح بالقاذورات والأتربة على
براميل الخمور المعتقة لكي نفسدها ، فلما كبرت وتثقفت ، فهمت أن تحريم الخمر
على المسلم ، لا يبيح له التعدي على ملك الغير بهذه الطريقة الهمجية ، وأن النصح
يكون بإتيان البيوت من أبوابها ، لا بالاعتداء على مال متقوم بالنسبة لصاحبه
المسيحي ، أمرنا أن نرعى عهده ونحفظ وده !
وبذا نرى أن فطرة الطفلة في الأولى ، دعتها إلى إهمال دعاية والدها
الفاسدة في عداء لقريبها لا تفهمه ولا تفهم له معنى ، وبراءتها دفعتها إلى ابتسامتها
الحلوة ، كما أن جهلي في صغرى حاد بي عن فهم ما يجب أن يكون في معاملة
الغير ، وصور لي الباطل حقا !
ووجدت يوما وأنا كبير في مجتمع مسيحي ، فسمعت الأذان وكان يجب
علي كمسلم أن أردده مع المؤذن - ولو في سري - ، ولكن ظننت خطأ
أن المجاملة لهؤلاء المجتمعين هي في السكوت وفي عدم الرد على المؤذن ،
فشعر قلبي في الحال بكبر إثم هذا الإغفال ، ووخزني قلبي وطعنني ضميري
هامش
( 1 ) راجع ص 376 - 383 من نهج البلاغة ج 1 .