تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مع رجال الفكر — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
قبلها ، ذلك أن بنية العقيدة أقوى من أن تحطمها الرضوض والآلام . أكلت الحروب بين علي وخصومه عددا كبيرا من المسلمين ولم يكن متوقعا أن يحدث ذلك على وجه من الوجوه إلا أن اتساع الملك والسلطان كان يقتضي ذلك ، وكان يقتضي غيره من ألوان الصراع . . . وكانت هذه المحن - في رأيي - هي درجة الغليان التي أحاطت بالدين الجديد فحفظت الشعب أن ينهار أمام الحضارات المجاورة ، وأمام الفتوحات الوسيعة المدى بما تحتويه من أفكار جديدة واتجاهات متعددة مختلفة الألوان والأحجام . إن علينا أن ندرس كل أولئك حين ندرس شخصية هذا البطل العظيم في تاريخ الإسلام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . وعلينا أن نعلم : أن انفصام عرى الوحدة بين المسلمين ، وتفرقهم في الآراء والمذاهب والأحزاب كل ينصر رأيه بالقول وبالعمل على رأي خصمه ، وكل يصارع في سبيل عقيدته هذه أو تلك بالفكر حينا وبالسلوك أحيانا ، وعلينا أن ندرك أن هذا كله وغيره ليس إلا دلائل صحة ، لا دلائل وهن أو هزيمة ، وأن الصراع دائما يدل على اليقظة لا على الموت ، ما دام لا يفضي إلى انشقاق في صفوف الأمة ، أو مواجهة عدائية بين الطوائف . وقد اكتمل الدين حينما اكتمل نزول القرآن ، ولقد كان الإسلام على عهد الرسول دعوة وفكرة - أكثر منه دولة وسلطانا ، وإذا كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قد أقام دولة على أساس من التشريع القرآني ، فقد كانت دولة صغيرة الحدود على أية حال ، ولكنها كانت نوبة قوية ، قابلة دائما على النمو والازدهار ، وبقي أن تكتمل الدولة بعد ذلك فتوسع من آفاقها وتنشر من سلطانها على هذه الأسس السليمة ، كانت نواة في مثل صلابة " الجرانيت " يحمل لواءها نفر من المؤمنين الأتقياء لا يبالون أين يكون