جاءته البشارات بقضاء حوائجه ، قال : الناس يقولون إنك تعلم الغيب وقد تبيّنت من ذلك خلّتين " ( 1 ) .
قال المسعودي : " وقد كان سعي بأبي الحسن علي بن محمّد إلى المتوكل ، وقيل له : إن في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته ، فوجه اليه ليلا من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره ، فوجده في بيت وحده مغلق عليه وعليه مدرعة من شعر ، ولا بساط في البيت إلاّ الرمل والحصى ، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجّهاً إلى ربّه يترنم بآيات من القران في الوعد والوعيد ، فأخذ على ما وجد عليه ، وحمل إلى المتوكل في جوف الليل ، فمثل بين يديه ، والمتوكل يشرب وفي يده كأس ، فلمّا رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ولم يكن في منزله شئ ممّا قيل فيه ، ولا حالة يتعلل عليه بها ، فناوله المتوكّل الكأس الذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قط فاعفني منه ، فأعفاه وقال : أنشدني شعراً أستحسنه ، فقال : إنّي لقليل الرواية للأشعار ، فقال : لا بدّ أن تنشدني فأنشده :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم * فأودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * أين الأسرّة والتيجان والحلل ؟
أين الوجوه التي كانت منعمة * من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين سائلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
هامش
( 1 ) المناقب ج 4 ص 413 .