نعبد الله عليه . فصعد المنبر فقعد مليّاً لا يتكلم مطرقاً ثم انتفض انتفاضة فاستوى قائماً وحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيّه وأهل بيته ثم قال : أول عبادة الله معرفته ، وأصل معرفة الله توحيده ، ونظام توحيده نفي الصفات عنه بشهادة العقول إنّ كل صفة وموصوف مخلوق ، وشهادة كل مخلوق أن له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف ، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران ، وشهادة الاقتران بالحدث ، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث ، فليس الله عرف من عرف ذاته بالتشبيه ، ولا إيّاه وحّد من اكتنهه ، ولا حقيقته أصاب من مثله ولا به صدق من نهّاه ولا صمد صمده من أشار اليه ولا إياه عنى من شبهه ولا له تذلل من بعّضه ، ولا إياه أراد من توهمه ، كل معروف بنفسه مصنوع ، وكل قائم في سواه معلول ، بصنع الله يستدل عليه ، وبالعقول يعتقد معرفته ، وبالفطرة تثبت حجته خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم ومفارقته إياهم مباينة بينه وبينهم ، وابتداؤه إياهم دليل على أن لا ابتداء له ، لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره ، وأدوّه إياهم دليل على أن لا أداة له ، لشهادة الأدوات بفاقة المؤدين فأسماؤه تعبير ، وأفعاله تفهيم ، وذاته حقيقة ، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه ، وغيره تحديد لما سواه ، فقد جهل الله من استوصفه ، وقد تعدّاه من استمثله ، وقد أخطأه من اكتنهه ومن قال : " كيف " فقد شبّهه ومن قال " لم " فقد علّله ، ومن قال : " متى " فقد وقّته ، ومن قال : " فيم " فقد ضمّنه ، ومن قال : " إلى م " فقد نهاه ، ومن قال : " حتى م " فقد غيّاه ومن غيّاه فقد غاياه ، ومن غاياه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد وصفه ، ومن وصفه فقد ألحد فيه ، ولا يتغير الله بتغير المخلوق كما لا يتحدد بتحديد المحدود .
أحد لا بتأويل عدد ، ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجل لا باستهلال رؤية ، باطن لا بمزايلة ، مباين لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا يتجسم ، موجود لا
قادتنا كيف نعرفهم ؟ — صفحة 234
مساهمون: السيد محمد هادي الميلاني
ص٢٣٤