هذا مضافا إلى أنه لا ربط لهذا الجواب بالاشكال العقلي بوجه ، فإن الاشكال
إنما هو في عدم إمكان تأثير الانشاء - وهو العقد - في المنشأ ، وهو اسم المصدر
على اصطلاحه - أي الملكية - فإن العقد معدوم حال الأثر ، وعدم التخلف في نظر
العاقد لا يصحح المطلب .
نعم ، على مسلكنا : من أن المصدر - وهو العقد - لم يتخلف عن اسم المصدر ،
وهو الاعتبار الانشائي ، ولهذا المعنى الانشائي نحو بقاء بالاعتبار حال الإجازة ، لم
ينفك الأثر عن العقد أيضا ، فيرتفع الاشكال ، نظير الفسخ ( 1 ) .
هامش
1 - أقول : الظاهر عدم الحاجة إلى الالتزام باعتبار بقاء المعنى الانشائي لدفع الاشكال ، بل
الالتزام بذلك لا يخلو عن شئ في بعض الموارد ، نظير باب الوصية ، فلو أوصى بإعطاء مال
لزيد ، فالانشاء وأثره الانشائي موجود حال الانشاء ، وأثره الاعتباري العقلائي يوجد بعد
موته وإن كان منفكا عن الانشاء ، فإن محذور الانفكاك إنما يتم في الخارجيات لا
الاعتباريات ، ولا تقاس هذه بتلك ، كما مر غير مرة ، والالتزام ببقاء المعنى الانشائي اعتبارا
حينئذ التزام بلا ملزم .
نعم ، يمكن القول بلزوم هذا الاعتبار في الفسخ ، فإنه من حينه ، لا من حين العقد ، فلا بد من
ثبوت العقد حال الفسخ حتى ينحل حينئذ ، إلا أن يقال : إن الفسخ يزيل الأثر ، وهو خلاف
التحقيق ، فتأمل ، بخلاف العقد الفضولي على القولين ، فإن المفروض أن الإجازة فيها مثبتة
للأثر لا مزيلة له ، وفي الأول لا ملزم لاعتبار البقاء ، بخلاف الثاني على أحد الوجهين .
ولا بأس بذكر ما فهمه بعض علماء العصر - مد ظله - من كلام المرحوم النائيني فيما تقدم :
وهو أن المصدر هو العقد ، وهو استعمال اللفظ في معناه بداعي إيجاد مضمونه ، الذي نسميه
بالانشاء ، واسم المصدر هو المعنى المنتزع من فعل المتعاقدين ، وهي المبادلة القائمة بالمالين
في عقد البيع ، لا الحقيقي منها ، بل المنتزع من إنشائها .
وبالجملة : إن هنا أمورا ثلاثة : إيجاد المعنى باللفظ المسمى بالانشاء ، والمصدر ، والمنتزع
منه ، وهو المنشأ ، واسم المصدر والأثر الواقعي وما هو قابل للإجازة هو المنشأ ، واسم المصدر
كما أنه هو القابل للاستناد إلى المالك ، فإن الأول - وهو فعل الفاعل - غير قابل للاستناد إلى
غيره ، ولا يتطرق فيه التزلزل .
وبذلك ترتفع جملة من الاشكالات التي أورد أستاذنا المحقق - مد ظله - عليه كما لا يخفى .
نعم ، يبقى فيه عدم الدليل على لزوم الاستناد ، غير ما مر من لزوم نحو ربط للعقد بالمالك إما
بإذنه أو رضاه ، ولعله أيضا لا يريد أزيد من ذلك ، فيرجع النزاع لفظيا .
نعم ، يرد عليه إشكال : وهو أن الإجازة راجعة إلى فعل العاقد ، لا المنتزع منه ، فقوله : بارك
الله في صفقة يمينك تبريك وإمضاء لعقده ، لا أنه تصحيح للمعنى المنتزع من ذلك ، اللهم إلا
أن يقال : إن إمضاء العقد ينفذ العقد من جهة تصحيحه المبادلة الحاصلة ، فكأنه قال : قبلت
المبادلة الحاصلة والتزمت بها ، وهذا معنى الاستناد إلى المالك .
فعلى هذا لو كان تقريب كلام الفخر ( رحمه الله ) : أن العقد والمنتزع منه غير قابل للانفكاك ، والالتزام
بالنقل التزام بالانفكاك ، لارتبط جواب المحقق النائيني ( رحمه الله ) به ، فإن المنتزع حاصل بالعقد ،
والانفكاك واقع بين العقد والأثر ، ولا ضير فيه كما قال : وعلى هذا التقريب لا يرد عليه
النقض بالأمور المتصرمة والأجزاء المتدرجة في الوجود ، فإنه لا ينكر إمكان ترتب المعلول
على علة ذات أجزاء متصرمة ، والمترتب على الأمور التدريجية ، بل ينكر تخلف اسم
المصدر عن المصدر ( منية الطالب 1 : 236 / سطر 2 ) .
وكلامه هذا ينادي بأعلى صوته : بأن اسم المصدر مغاير للأثر ، فكيف يمكن أن يسند خلافه
إليه ؟ ! ومن غريب الأمر أن كلامه هنا صريح في ذلك ، وفي المسألة السابقة صرح : بأن
الانشاء القولي يمكن انفكاكه عن اسم المصدر ، فراجع .
وقد علم من ذلك أمر آخر يوافق ما ذكرنا : وهو عدم وجود ملزم لاعتبار البقاء ، فإن المعلول
المترتب على الأمر التدريجي موجود في التكوين - فليتدبر - فضلا عن التشريع . المقرر
دامت بركاته .