ويرد عليه : أن قوله : " اليمين على من ادعي عليه " قد دل بإطلاقه على أن
المنكر عليه اليمين - سواء أقام بينة أو لا - وهذا يدل لا محالة على عدم كفاية البينة
لإثبات ما يريده المنكر ، إذ لو كفت لما احتجنا إلى يمين المنكر . نعم هذا لا يعني سقوط
بينته عن الاعتبار نهائيا بأن لا تصلح لمعارضة بينة المدعي ، كي يكون هذا رجوعا
إلى الاحتمال الأول ، ولكنه يعني أن بينته ليست كبينة المدعي كافية وحدها لإثبات
المطلوب .
أما دلالة المقام لجملة ( البينة على المدعي ) فلو تمت على الحجية القضائية للبينة
- لا الذاتية فحسب - فإنما تتم لولا قوله : " اليمين على من ادعي عليه " فإن هذا منع
- لا محالة - عن الحجية القضائية لبينة المنكر ، وإنما ارتكاز العقلاء على حجية البينة ،
فلو تم على الحجية القضائية بالنسبة للمنكر فهو مردوع عنه بقوله : " اليمين على من
ادعي عليه " .
الثالث - ما هو مقتضى التحقيق في المقام ، وهو أن يقال : إن بينة المنكر ليست
ساقطة عن الاعتبار نهائيا كما هو الحال على الاحتمال الأول ، ولا هي حجة قضائيا
كما هو الحال على الاحتمال الثاني ، وإنما هي حجة حجية ذاتية ، أي بالحجية الثابتة
قبل القضاء ، والحجية الذاتية غير الحجية القضائية ، فرب شئ يكون حجة ذاتا ،
وليس حجة قضاء كاليد ، ورب شئ يكون حجة قضاء وليس حجة ذاتا كاليمين ،
والرواية دلت بإشارة المقام على أن البينة التي هي حجة ذاتا عند العقلاء وكاشفة
عن الواقع بحد ذاتها تكون في باب القضاء على المدعي ، ففي الرواية إمضاء للحجية
العقلائية الذاتية للبينة بالحدود التي يؤمن بها العقلاء ، ولا إشكال في أن البينة بحد
ذاتها حجة على الواقع سواء قامت على الإثبات أو الإنكار .
والنتيجة : أنه لو لم تكن للمدعي بينة وقدم المنكر البينة ، لم تغنه البينة عن
اليمين ، إذ لم تثبت لها حجية قضائية ، وقد دلت الرواية على أن المنكر عليه اليمين ، ولو
القضاء في الفقه الإسلامي — صفحة 587
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٨٧