والنكتة في ذلك أن ظاهر إعطاء مقياس للمخاطبين للكبيرة والصغيرة هو إرادة
إعطاء مقياس مضبوط ومفهوم عند المخاطبين يمكن لهم الرجوع إليه لتشخيص
الحال ، بينما السنة ليست محصورة وموجودة بتمامها عند المخاطبين عادة ، كي يمكن
إرجاعهم إليها كضابط ، وهذا بخلاف القرآن الكريم . فهذه هي نكتة الانصراف إلى
ما قلناه .
إلا أنه قد يقال : إنه لو كان المقياس هو الوعيد في القرآن بالنار لانتقض ذلك
ببعض المعاصي التي لم يرد في القرآن وعيد بالنار عليها ، ولا شك فقهيا ، أو إسلاميا
في كونها من الكبائر من قبيل اللواط ، وشرب الخمر .
وقد يقال في الجواب : إن عنوان ما أوعد الله عليه النار الوارد في الروايات
إشارة إلى مفهوم عرفي راجع إلى تفسير الكبيرة والصغيرة ، ومتعارف بين الموالي
والعبيد العرفيين . توضيحه : أن أوامر المولى ونواهيه لها محركية ذاتية للعبد إذا كان
يحب مولاه ، وهي محركية عاطفية ، ولها محركية ذاتية عقلية للعبد إذا كان يعترف
لمولاه بالمولوية الحقيقية ووجوب الطاعة ، أو اجتماعية إذا كان يعترف له بالمولوية
الاجتماعية ، وهذه المحركيات الذاتية قد لا تكفي لتحريك العبد ، وعندئذ إن كان
اهتمام المولى بالقضية كبيرا يوعده بالعذاب على تقدير عدم الامتثال ، وقد يعذبه
بالفعل عند المخالفة ، وإن كان اهتمامه بها ليس كبيرا يغض النظر عن العبد حينما يراه
مخالفا ولا يعاقبه ، إلا إذا رأى منه إصرارا على ذلك ، أو رآه يضم هذه المخالفة إلى
المخالفات الكبيرة ، فقد يعاقبه على الصغيرة أيضا . والمفهوم عرفا من العفو عن
الصغائر عند اجتناب الكبائر وعدم الإصرار هو هذا المعنى ، فلا ينبغي أن نجمد في
فهم مقياس ما أوعد الله عليه النار على فرض الوعيد الصريح ، بل تهويله - تعالى -
في كتابه لمعصية ما يفهم منه بناء على هذا الفهم العرفي الذي شرحناه الوعيد بالنار ،
وعليه فمثل اللواط الذي تكرر فيه ذكر قصة لوط ( عليه السلام ) في القرآن الكريم وتأنيبه
القضاء في الفقه الإسلامي — صفحة 114
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١١٤