فذكر تعالى إنعامه عليهم ، وإحسانه إليهم ، بما يسر لهم من المن
والسلوى ، طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعى لهم فيه ، بل ينزل الله
المن باكرا ، ويرسل عليهم طير السلوى عشيا ، وأنبع الماء لهم ، يضرب
موسى عليه السلام حجرا كانوا يحملونه معهم بالعصا ، فتفجر منه اثنتا
عشرة عينا ، لكل سبط عين منه تنبجس ، ثم تتفجر ماء زلالا فيستقون
[ فيشربون ( 1 ) ] ويسقون دوابهم ، ويدخرون كفايتهم ، وظلل عليهم
الغمام من الحر .
وهذه نعم من الله عظيمة ، وعطيات جسيمة ، فما رعوها حق رعايتها ،
ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها . ثم ضجر كثير [ منهم ( 1 ) ] منها
وتبرموا بها ، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها ، مما تنبت الأرض من
بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها .
فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم ( 2 ) على هذه المقالة وعنفهم قائلا :
" أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ اهبطوا مصرا فإن لكم
ما سألتم " أي هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها
حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها ، وإذا هبطتم إليها ،
أي ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها - تجدون بها ما تشتهون
وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية والأغذية الردية ، ولكني
لست أجيبكم إلى سؤال ذلك هاهنا ، ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى .
وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم ، تدل على أنهم لم
هامش
( 1 ) من ا . ( 2 ) ا : ونبههم .