ووجه آخر وهو ما نختم به هذا البحث ، وهو أن الذين يصدقون
بالمغيبات والكشف عن المخبئات وينقلون حديثها إلى الناس ، جلهم أو كلهم
ينقل ما قد يصدق اتفاقا من طريق التخمين والحدس لا من طريق العلم
بالغيوب المحجوب ، إلا عمن اصطفاهم الله لرسالته لمصلحة أداء الرسالة
ويطوي خبر ما لم يصدق وكثير من الناس ولوع بالغرائب والتحدث بالغرائب ،
وإذا كان للناقل تأثر بعقدة بالمنقول عنه أو وثوق به ، كان الإخبار عما يزعم من
العلم بالمغيبات ادعى لترويجه بين الناس لحملهم على اتباع نحلته وتصديق
دعواه . ويروي البخاري عن عائشة ( رض ) سأل أناس النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن الكهان ،
فقال : " إنهم ليسوا بشئ " . فقالوا : يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشئ يكون
حقا ، قال : فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في
أذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة " ( 1 ) .
وجواب تحديه الناس بأنه لم يرعف في مدة حياته بالكذب وأنه لازم
التقوى منذ نعومة أظفاره ، إنا لا نرى موجبا لهذا التحدي ، فإن في الأمة ممن
جمع هاتين الصفتين من يضيق بدهم وحصرهم نطاق البيان ، فهل وازن فيهما
خيار الصحابة والعلية من التابعين وتابعيهم وأئمة أهل البيت ، بل وهل جمع
إليهما ما أوتوه من علم واسع وجرأة في نصرة الحق ومناهضة الظالمين مناهضة
لم يرهبوا بها سلطانهم ولا تخوفوا صولتهم .
هل كان أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري وأتقى منه لله ، ومن عمرو بن
الحمق ، وحجر بن عدي وأصحابه ، ومن سعيد بن جبير ، ومن أويس القرني ،
ومن عمرو بن عبيد ، والأوزاعي ومن أشباههم ونظرائهم ، ومن لم تخل الأمة
من أمثالهم قديما وحديثا ، فإن كان ما اجتمع بهم من الصدق والتقوى والعلم
والجرأة مما يبلغون بن درجات النبوة فهلا ادعوها وكانوا أنبياء ، بل وكان عليهم
لزاما أن يدعوها إن لم تكن اختتمت بنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين وكانوا أحق بها
وأهلها إن كان بابها لم ينسد وكانت مما يجوز وقوعه ، وهل كانت مذخورة لنبي
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ، دار الفكر ، بيروت ، ج 9 ، ص 189 .