والفلكية التي يمكن الله البشر من الوقوف عليها بالبحث والنظر والتجربة
وهداهم إلى ذلك بالفطرة والوحي معا ، ولذلك نقول : لو فرضنا أن المسائل
التاريخية والطبيعية المذكورة في الكتاب ليست مطابقة إلا لما يرى ويعتقد
الناس كلهم أو بعضهم في زمن التنزيل لما كان ذلك طعنا فيه ، لأن هذه
المسائل لم تقصد بذاتها بل المراد منها توجيه النفوس بطريق الاستفادة بما
أشرنا إليه .
3 - إن البحث في آيات الله كيف وجدت وهل كانت كلها بمحض قدرة
الله تعالى التي قامت بها السماوات والأرض ، أم كانت لها سنن روحانية خفية
عن الجمهور خص الله تعالى بها أنبياءه كما خصهم بالوحي الذي هو علم خفي
عن الجمهور ، فكل ذلك مما لا يفيد البحث فيه بل ربما كان ضارا ( 1 ) .
4 - إن الآية الشريفة تدل دلالة صريحة على أخفاء موت سليمان ، وأن
الذي دلهم على موته بعد حين دابة الأرض تأكل منسأته ، وأن هذا الاخفاء
مقصود لحكمة وهي إتمام بناء المسجد والإعلام بأن الجن لا يعلمون الغيب ،
ولو علموه ما لبثوا في عملهم الشاق الذي عبر عنه بالعذاب المهين ، وأما تعيين
مدة موته وكم كانت فالروايات مختلفة في تقديرها ، ولو قيل بأنها كانت عاما
وهو أقصى ما قدره بعض الرواة فهل يمتنع ذلك في قدرته تعالى ويكون وقوعه
معجزة لسليمان ( عليه السلام ) تضم إلى معجزاته الكثيرة من النملة والهدهد وتسخير
الجن والطير والريح له وما إلى ذلك مما هو أعظم من معجزة إخفاء موته ، وأما
كيف دبر أمر ملكه والطواف على نسائه مما اتخذه صاحب التوضيح سخرية ،
فإنا نكل الجواب عليه إلى ما نطق به التنزيل .
5 - إن النظر واجب في الأصول التي تثبت بها معرفة الله تعالى وصحة
النبوة ، ومتى اعتقدنا بقدرة الله وإرادته وعلمه وكونه أوحى إلى بعض عبيدة
وألهمهم إرشاد الناس إلى ما يسعدهم في حياتهم الأخرى فإنه يسهل علينا أن
هامش
( 1 ) ملخص هذا وما قبله من ( م 7 ، ج 5 ، ص 181 عن المنار الاسلامي ) .