أبدا إلى يوم القيامة فقط ، وأنه لا بشرى يومئذ للمجرمين ، فإذ لا شك في هذا
كله فقد علمنا ضرورة أنه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما : إما أن
هاروت وماروت لم يكونا ملكين وأن ( ما ) في قوله : ( وما أنزل على الملكين )
نفي لأن ينزل على الملكين ، ويكون هاروت وماروت حينئذ بدلا من الشياطين
كأنه قال : ولكن الشياطين هاروت وماروت ويكون هاروت وماروت قبيلتين
من قبائل الجن كانا يعلمان الناس السحر ، وقد روينا هذا القول عن خالدين
أبي عمران وغيره ، وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأ على الملكين بكسر
اللام ، وكان يقول : إن هاروت وماروت علجان من أهل بابل ، إلا أن الذي لا
شك فيه على هذا القول أنهما لم يكونا ملكين . وأما أن يكون هاروت وماروت
ملكين نزلا بشريعته حق بعلم ما على أنبياء ، فعلماهم الدين وقالا لهم : لا
تكفروا نهيا عن الكفر بحق ، وأخبراهم أنهم فتنة يضل الله تعالى بهما وبما أتيا
به من كفر به ويهدي بهما من آمن به ، قال تعالى عن موسى أنه قال له : ( إن
هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) [ الأعراف / 155 ] وكما قال
تعالى : ( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون )
[ العنكبوت / 2 ] ثم نسخ ذلك الذي أنزل على الملكين ، فصار كفرا بعد أن كان
إيمانا ، كما نسخ تعالى شرائع التوراة والإنجيل فتمادت الجن على تعليم ذلك
المنسوخ ، وبالجملة فما في الآية من نص ولا دليل على أن الملكين علما
السحر وإنما هو إقحام أقحم بالآية بالكذب والإفك ، بل وفيها بيان أنه لم يكن
سحرا بقوله تعالى : ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل
على الملكين ببابل ) [ البقرة / 102 ] ولا يجوز أن يجعل المعطوف والمعطوف عليه
شيئا واحدا إلا ببرهان من نص أو إجماع أو ضرورة وإلا فلا أصلا ، وأيضا فإن
بابل هي الكوفة وهي بلد معروف بقربها محدودة معلومة ليس فيها غار فيه ملك
فصح أنه خرافة موضوعة ، إذ لو كان ذلك لما خفي مكانهما على أهل الكوفة
فبطل التعلق بهاروت وماروت .
وبعد فهذا على طوله غيض من فيض مما أول به الآية المحققون من
المفسرين ، وغرضنا من نقله أحد أمرين : أولهما وجوب عصمة الملائكة ،
القاديانية — صفحة 115
مساهمون: الشيخ سليمان ظاهر
ص١١٥