كتب ابن السّمّاك ( 1 ) إلى الرشيد يعزّيه بابن له : أما بعد ، فإن استطعت أن يكون شكرك للَّه حين قبضه أكثر من شكرك له حين وهبه ، فإنّه حين قبضه أحرز لك هبته ، ولو سلم لم تسلم من فتنته ؛ أرأيت حزنك على ذهابه وتلهّفك لفراقه ! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك ! أمّا هو فقد خلص من الكدر ، وبقيت أنت معلَّقا بالخطر . واعلم أن المصيبة مصيبتان إن جزعت ، وإنما هي واحدة إن صبرت ، فلا تجمع الأمرين على نفسك . كتب عبد اللَّه بن طاهر إلى أبي دلف ( 2 ) : المصائب حالَّة لا بدّ منها ، فمنها ما يكون رحمة من اللَّه ولطفا بعبده ، وآية ذلك أن يوفّقه للصبر ويلهمه الرضا ويبسط أمله فيما عنده من الثواب الآجل والخلف العاجل . ومنها ما يكون سخطا وانتقاما ، أوّله حزن وأوسطه قنوط وآخره ندامة ، وهي المصيبة حقّا الجامعة لخسران الدنيا والآخرة . ولم تزل عادة اللَّه عندك الإخلاف والإتلاف . وإن يك ما نالك الآن أعظم مما أتى عليك في مواضي الأيام ،
عيون الأخبار — صفحة 63
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٦٣
وعزّى رجل موسى بن المهديّ عن ابن له فقال : كان لك من زينة الحياة الدنيا ، وهو اليوم من الباقيات الصالحات .
توفّي سهيل بن عبد العزيز بن مروان ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عمّاله وأطنب في كتابه ؛ فكتب إليه عمر : [ طويل ]
حسبي حياة اللَّه من كلّ ميّت * وحسبي بقاء اللَّه من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيا * فإنّ شفاء النفس فيما هنالك
هامش
( 1 ) ابن السّماك : هو محمّد بن صبيح ، أبو العباس ، فقيه محدّث واعظ حكيم كوفي قدم بغداد أيّام الرشيد ووعظه ، مواعظه مشهورة .
( 2 ) أبو دلف : هو القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل من بني عجل أمير الكرخ وسيّد قومه ، أخبار أدبه وشجاعته كثيرة ، مدحه الشعراء .