من ملمّها ، وكان سبقي إلى ذلك أبرز سبق ، وحظَّي بالتقدّم فيه أوفر حظَّ . وقرأت في كتاب : مصيبتك لي مصيبة ، وما نالك من ألمها لي موجع . ولو كان في الوسع أن أعلم كنه ما خامر قلبك من ألمها لحملت مثله على نفسي ، فإني أحبّ أن أكون أسوتك في كل سارّ وغامّ ، وألَّا أتمتّع بأيام غمومك ، ولا أقصّر فيها عن مقدار حالك . وقرأت في كتاب : نسأل الله حسن الاستعداد لما نتوكَّفه ( 1 ) ونتوقّع حلوله ، وألَّا يشغلنا بما يقلّ الانتفاع به وتعظم التّبعة فيه عمّا نحتاج إليه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا ، وأن يجعل ما وهب لنا من الصبر والعزاء إيمانا وإيقانا ، ولا يجعله ذهولا ونسيانا . قال أسماء بن خارجة إذا قدمت المصيبة تركت التعزية ، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء . قيل لأعرابية مات ابنها : ما أحسن عزاءك ! فقالت : إن فقدي إياه أمّنني من المصيبة بعده . ونحوه قول الشاعر ( 2 ) : [ طويل ]
عيون الأخبار — صفحة 65
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٦٥
وكنت عليه أحذر الموت وحده * فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
ومثله : [ طويل ]
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى * من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وقال أبو العتاهية : [ كامل ]
هامش
( 1 ) نتوكّفه : نتوقعه .
( 2 ) هو أبو نواس الحسن بن هانىء ، وهذا البيت من أبيات قالها في رثاء محمّد الأمين الخليفة العباسي .