تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢

صحبت أقواما كانت صحبتهم قرّة العين وجلاء الصدور ، وكانوا من حسناتهم أن تردّ عليهم أشفق منكم من سيئاتكم أن تعذّبوا عليها ، وكانوا فيما أحلّ اللَّه لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم اللَّه عليكم . إني أسمع حسيسا ( 1 ) ، ولا أرى أنيسا ؛ ذهب الناس ، وبقيت في النّسناس ؛ لو تكاشفتم ما تدافنتم ؛ تهاديتم الأطباق ولم تهادوا النصائح . يا بن آدم ، إنّ دين اللَّه ليس بالتحلَّي ولا بالتمني ، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال .

كلام لبعض الزّهّاد

لا تغترّنّ بطول السلامة مع تضييع الشكر ، ولا تعملنّ نعمة اللَّه في معصيته ؛ فإنّ أقلّ ما يجب لمهديها ألا تجعلها ذريعة إلى مخالفته . واستدع شارد النّعم بالتوبة ، واستدم الراهن منها بكرم الجوار ، واستفتح باب المزيد بحسن التوكَّل . أو ما علمت أنّ المستشعر لذلّ الخطيئة المخرج نفسه من كلف الطاعة نطف الثّناء ، زمر ( 2 ) المروءة ، قصيّ المجلس ، لا يشاور وهو ذو بزلاء ( 3 ) ، ولا يصدّر وهو جميل الرّواء ، غامض الشّخص ضئيل الصوت نزر الكلام يتوقّع الإسكات عند كلّ كلمة ، وهو يرى فضل مزيّته وصريج لبّه وحسن تفضيله ، ولكن قطعه سوء ما جنى على نفسه ، ولو لم تطَّلع عليه عيون الخليقة لهجست العقول بإدهانه ( 4 ) . وكيف يمتنع من سقوط القدر وظنّ المتفرّس من عرّي من حلية التقوى وسلب طبائع الهدى ؟ ولو لم يتفشّ ثوب سريرته وقبيح ما أجنّ من مخالفة ربه لقطعه العلم بقبيح ما قارف عن اقتدار

هامش
( 1 ) الحسيس : الصوت يحسّ به .
( 2 ) نطف الثناء : قليله . وزمر المروءة : قليلها .
( 3 ) البزلاء : الرأي الجيّد .
( 4 ) بإدهانه : أي بالمصانعة له .