وكتب رجل من العبّاد إلى صديق له :
إني لمّا رأيت الناس في اليقين متفقين ، وفي العمل متفاوتين ، ورأيت الحجة واجبة ، فلم أر في يقين قصّر بصاحبه عن عمل حجة ، ولا في عمل كان بغير يقين منفعة ؛ ورأيت من تقصير أنفسنا في السعي لمرجوّ ما وعدت والهرب من مخوف ما حذّرت ، حتى أسلمها ذلك إلى أن ضعفت منها النيّة وقلّ التحفّظ واستولى عليها السّقط ( 1 ) والإغفال واشتعلت منها الشّهوة ، ودعاها ذلك إلى التمرّغ في فضائح اللذّات ، وهي تعلم أن عاقبتها الندم ، وثمرتها العقوبة ، ومصيرها إلى النار إن لم يعف اللَّه - عجبت لعمل امرئ كيف لا يشبه يقينه ، ولعلم موقن كيف لا يرتبط رجاءه وخوفه على ربه ، حتى لا تكون الرغبة منه إلا إليه والرهبة منه إلا له . وزادني عجبا أنّني رأيت طالب الدنيا أجدّ من طالب الآخرة ، وخائفها أتعب من خائف الآخرة ، وهو يعلم يقينا أنه ربّ مطلوب في الدنيا قد صار حين نيل حتفا لطالبه ، وأنه ربّ مخوف فيها قد لحق كرها بالهارب منه فصار حظَّا له ، وأن المطلوب إليه من أهلها ضعيف عن نفسه محتاج إلى ربه مملوك عليه ماله مخزونة عنه قدرته . واعلم أن جماع ما