ما أستعظم أن تسبق إلى حسن بل أستعظم أن تسبق إليه وتغلب عليه .
لئن كنت جاوزت بي قدري عندك لما بلغت بك أملي فيك .
لا يقبضك عن الأنس بي تقصيرك في البرّ .
بلغتني علَّتك فنالني من ألمها ، وغالني مما مسّك فيها حسب حقّك وما يخصّني من كل حال تصرّفت بك .
أعتذر إليك من تأخر كتبي عنك بترامي النّقلة وتقاذف الغربة وعدم الطمأنينة ، فإني منذ فارقتك كما قال القائل : [ طويل ]
وكنت قذاة الأرض والأرض عينها * تلجلج شخصي جانبا بعد جانب ( 1 )
إني - أعزّك اللَّه - على تشوّقك متزيد ، فما أحاشي بك أحدا ، ولا أقف لك على حسنة يوما إلا أنستنيها لك فضلة غده . الحمد للَّه الذي جعل الأمير معقود النيّة بطاعته ، مطويّ القلب على مناصحته ، مشحوذ السيف على عدوّه ؛ ثم وهب له الظفر ، ودوّخ له البلاد ، وشرّد به العدوّ ، وخصّه بشرف الفتوح العظام شرقا وغربا ، وبرّا وبحرا . إلى اللَّه أشكو شدّة الوحشة لغيبتك ، وفرط الجزع من فراقك ، وظلمة الأيام بعدك ؛ وأقول كما قال حبيب بن أوس ( 2 ) : [ خفيف ]
بيّن البين فقدها ، قلَّما تع * رف فقدا للشمس حتّى تغيبا
ورد كتابك ، فيا له واردا بالرّيّ على ذي ظمأ ! ما أنقعه للغليل ، وأعدل
هامش
( 1 ) القذاة : ما يقع في العين ويوجعها . ولجلج في الكلام : تردّد ، ولجلج في صدره شيء : تردّد ، وتلجلج : تردّد في الكلام .
( 2 ) هو أبو تمام الشاعر المشهور ، وسيرد بيته المذكور في ص 32 من الجزء الثالث من هذا الكتاب .