كنت أمس - أكرمك اللَّه - عليلا ، وركبت اليوم على ظلع ( 1 ) ظاهر ورقّة شديدة ، فلما انصرفت أمرت بإغلاق الباب للمتودّع ، ووافق ذلك من سوء نيتك وإرصادك صديقك بما يستدعي عتبك عليه وعتبه عليك ما وافق . لا أزال - أبقاك اللَّه - أسأل الكتاب إليك في الحاجة ، فأتوقف أحيانا توقف المبقي عليك من المؤونة ، وأكتب أحيانا كتاب الراجع منك إلى الثقة والمعتمد منك على المقة ؛ لا أعدمنا اللَّه دوام عزك ، ولا سلب الدنيا بهجتها بك ، ولا أخلانا من الصّنع للَّه على يدك وفي كنفك ، فإنا لا نعرف إلا نعمتك ، ولا نجد للحياة طعما وندى إلا في ظلَّك . إن كان هذا مما ترضاه لي ، فلست ألتمس أكثر منه ، وقوفا بنفسي عند الحظ الذي رضيته لي . أنا ، واللَّه ، أراك في رتبة المنعم إجلالا ، وبمحل الشقيق من القلب محبّة وإخلاصا . أما شكري فمقصور على سالف أياديك ، وبه قصور عنه فكيف يتّسع لما جدّدته ! . للَّه عندك نعم جسام تتقاضاك الشكر . وقاك اللَّه شرّ نفسك ، فإنها أقرب أعدائك إليك . ولم أزل وجلا من حادثة كذا عليك ، إذ كان ما ينالك - لا أنالك اللَّه سوءا - متّصلا بي ومدخلا الضرر عليّ في ركن منك أعتمد عليه ، وكنف لك أستذري به .
عيون الأخبار — صفحة 239
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٣٩
هامش
( 1 ) الظَّلع : بفتح الظاء واللام هو الميل عن الحق وضعف الإيمان ، وقيل : الذّنب ، وأصله داء في قوائم الدابة تغمر منه .