فالحاكمية الإلهية بمراتبها المتسلسلة لا تُعدم الإرادة الشعبية والاختيار البشري ، بل هي ترشده وتهديه إلى السبيل السوىّ والصراط القويم ; كما هو الحال في المذهب العقلي في القوانين الوضعية البشرية الراهنة ، فإنّ التعطيل العقلي والتقنين لشرائط ومواصفات الحاكم لا يُفقد المجتمع مساهمته في تكوين مسيره السياسي وبناء حياته الاجتماعية ، بل يعطيه دفعة حيوية ودعامة تطلق حريّته ، إذ الحرّية كامنة في سعة فضاء الكمال والإستكمال لا في الوقوع في المجالس الترّدي والسقوط في الحضيض .
ومن ثمّ نقف على حقيقة الانتخاب في عرف العقلاء في القوانين الوضعية أنّها عبارة عن مسؤولية استكشاف ذي الصلاحية واستكشاف المصاديق الواجدة للمواصفات المعيّنة سلفاً في حكم العقل . فعملية الانتخاب عملية مزيجة من الإستكشاف والمساهمة والتكوين والرقابة في حين أنّ مبدء المشروعية من حكم العقل .
فالإنتخاب قدرة تحكمّ من الناخبين في المنتخب ، إلاّ أنّ اللازم عليهم مراعاة الأصول المقررة سلفاً من قبل الشارع والعقل في المنتخب الذي يسانده بالقدرة ويُعزى إليه مقاليد الأمور ، فإطار الحاكمية وإن كات محدّداً بنحو الخصوص أو العموم في النيابة ، إلاّ أنّ ذلك ليس بنحو الإلجاء القسري التكويني ، بل حاله حال بقية التكاليف المقررة من قبل الشرع في الأبواب الأخرى التي هي في حين كونها تكاليف تقنينيّة من قِبل الشرع إلاّ أنّه لا يُلجىء المكلفين عليها بنحو القسري التكويني وإن كان لغة القوة قد تستخدم لحماية خيار الأمّة الصائب في قبال المتمردين البغاة ، فلا تلازم بين النصب والتعيين من جهة والاستبداد وإلجاء الأمّة قسراً من جهة أخرى ، كما لا تلازم بين مشاركة الأمّة وتقرير مصيرها بيدها من جهة وكون المنتخب يستمدّ صلاحيّته وشرعيّته من الأمّة .
فالحضور الفعّال الحاسم الشعبي للأمّة في جميع الأصعدة والعرصات في
أسس النظام السياسي عند الإمامية — صفحة 327
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٣٢٧