واللبن ( 1 ) ، فكانت قريش بعد إسلام أبى بكر وكثرة مستجيبيه بمكة تريد
تنفير عتبة بن ربيعة من مجلسه وإيحاشه منه ، مخافة أن يستميله بحسن
دعائه ، وتأتيه ورفقه ، ورقة دموعه وشدة خشوعه فتقول له : أما إنك
ما تأتى ابن أبي قحافة إلا لطيب عسله وإلا لمذقته ( 2 ) ، وإنما نفروه
بهذا وشبهه لأنه كان ذا عيال مملقا ثقيل المؤونة ، خفيف ذات اليد ،
مع سنه وسؤدده وحلمه ورأيه .
ولا سواء إسلام ذي اليسر والمال الدثر ، المنفق حريرة كسبه وعقيلة
ملكه ، والمفرق عنه جمعه والموحش منه أنيسه . الخارج من عز الغنى
وكثرة الصديق ، إلى ذل القلة وعجز الفاقة ، وإسلام من لا حراك به
ولا جدا عنده ، تابع غير متبوع ، ومستجد غير مجد ، لان من أشد
ما يبتلى به الكريم السب بعد التحية ، والضرب بعد الهيبة ، والعسر بعد اليسر .
ولا سواء إسلام العالم الأديب الأريب ، ذي الرأي السديد ،
وإسلام غيره .
ثم كان داعية من دعاة الرسول مقبول القول ، متبوع الرأي . ومن
كان في صفة أبى بكر فالخوف عليه أشد ، والمكروه إليه أسرع ، لأنه
لم يكن على ظهرها عدو النبي صلى الله عليه وسلم إلا وأبو بكر يتلوه
عنده في العداوة .
ولا سواء إسلام من أسلم على أن يمون ويكلف . وإسلام من كان
يمان قبل إسلامه ويكلف بعد إسلامه .
هامش
( 1 ) في الأصل : " والبن " وانظر الحاشية التالية .
( 2 ) المذقة : الطائفة من اللبن المذبق ، وهو الممزوج بالماء .