الناس ويعتزل ويطلب الخلوة وينقطع في جبل حراء . وكان علي عليه السلام معه
كالتابع والتلميذ ، فلما بلغ الحلم وجاءت النبي صلى الله عليه وآله الملائكة وبشرته
بالرسالة ، دعاه فأجابه عن نظر ومعرفة بالأعلام في المعجزة ، فكيف يقول الجاحظ
إن إسلامه لم يكن مقتضبا ؟ !
وإن كان إسلامه ينقص عن إسلام غيره في الفضيلة لما كان يمرن عليه من
التعبد مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الدعوة ، ليكونن طاعة كثير من
المكلفين أفضل من طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وأمثاله من المعصومين ، لان
العصمة عند أهل العدل لطف يمنع من اختص به من ارتكاب القبيح . فمن اختص
بذلك اللطف كانت الطاعة عليه أسهل ، فوجب أن يكون ثوابه أنقص من ثواب
من أطاع مع تلك الألطاف .
وكيف يقول الجاحظ إن إسلامه ناقص عن إسلام غيره وقد جاء في الخبر أنه
أسلم يوم الثلاثاء واستنبئ النبي صلى الله عليه وآله يوم الاثنين ، فمن هذه حاله لم
تكثر حجج الرسالة على سمعه ، ولا تواترت أعلام النبوة على مشاهدته . ولا تطاول
الوقت عليه لتخف محنته ويسقط ثقل تكليفه ، بل بان فضله وظهر حسن اختياره
لنفسه ، إذ أسلم حال بلوغه ، وعانى نوازع طبعه ، ولم يؤخر ذلك بعد سماعه .
وقد غمر الجاحظ في كتابه هذا أن أبا بكر كان قبل إسلامه مذكورا ، ورئيسا
معروفا ، يجتمع إليه كثير من أهل مكة فينشدون الاشعار ويتذاكرون الاخبار
ويشربون الخمر ، وقد كان سمع دلائل النبوة . وحجج الرسل ، وسافر إلى البلدان
ووصلت إليه الاخبار ، وعرف دعوى الكهنة وحيل السحرة ، ومن كان كذلك
كان انكشاف الأمور له أظهر ، والاسلام عليه أسهل ، والخواطر على قلبه أقل
اعتلاجا ، وكل ذلك عون لأبي بكر على الاسلام ، ومسهل إليه سبيله ، ولذلك لما قال
النبي صلى الله عليه وآله : " أتيت بيت المقدس " سأله أبو بكر عن المسجد ومواضعه ،
فصدقه وبان له أمره ، وخفت مؤنته لما تقدم معرفته بالبيت . فخرج إذا إسلام
أبى بكر على قول الجاحظ من معنى المقتضب .
العثمانية — صفحة 306
مساهمون: الجاحظ
ص٣٠٦