وهل يدل تأمل حال علي عليه السلام مع الانصاف إلا على أنه أسلم ، لأنه شاهد
الاعلام ورأى المعجزات وشم ريح النبوة ، ورأى نور الرسالة ، وثبت اليقين في قلبه
بمعرفة وعلم ونظر صحيح ، لا بتقليد ولا حمية ، ولا رغبة ولا رهبة إلا فيما يتعلق
بأمور الآخرة .
( 4 )
ص 22 من العثمانية
ينبغي أن ينظر أهل الانصاف هذا الفصل ويقفوا على قول الجاحظ ( 1 ) والأصم
في نصرة العثمانية ، واجتهادهما في القصد إلى فضائل هذا الرجل وتهجينها ، فمرة
يبطلان معناها ، ومرة يتوصلان إلى حط قدرها . فلينظر في كل باب اعترضا فيه أين
بلغت حيلتهما ؟ وما صنعا في احتيالهما في قصصهما وسجعهما ؟ أليس إذا تأملتها
علمت أنها ألفاظ ملفقة بلا معنى ، وأنها عليها شجى وبلاء ، وإلا فما عسى أن تبلغ
حيلة الحاسد ويغنى كيد الكائد الشانئ لمن قد جل قدره عن النقص ، وأضاءت
فضائله إضاءة الشمس .
وأين قول الجاحظ من دلائل السماء ، وبراهين الأنبياء وقد علم الصغير والكبير ،
والعالم والجاهل ممن بلغه ذكر علي عليه السلام ، وعلم مبعث النبي صلى الله عليه وآله
أن عليا عليه السلام لم يولد في دار الاسلام ، ولا غذى في حجر الايمان ، وإنما
استضافه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى نفسه سنة القحط والمجاعة . وعمره يومئذ
ثماني سنين ، فمكث معه سبع سنين حتى أتاه جبرئيل بالرسالة ، فدعاه وهو بالغ
كامل العقل إلى الاسلام ، فأسلم بعد مشاهدة المعجزة ، وبعد إعمال النظر والفكرة .
وإن كان قد ورد في كلامه أنه صلى سبع سنين قبل الناس كلهم فإنما يعنى ما بين
الثمان والخمس عشرة ، ولم يكن حينئذ دعوة ولا رسالة ولا ادعاء نبوة ، وإنما كان
رسول الله صلى الله عليه وآله يتعبد على ملة إبراهيم ودين الحنيفية ، ويتحنث ويجانب
هامش
( 1 ) هذا ما في ط . وفى الأصل : " الأخرى " .