لأنه لا يجوز أن يكونوا لم يعلموا ذلك وقد علموا ما هو أخفى وأدق
وأيسر خطبا وأقل نفعا ، وهم القوم الذين لا يؤتون من نصيحة وحسن
معرفة . وكيف يؤتون منهما وبهم عرفنا النصيحة والمعرفة .
فإن قالوا : فإنما كان خيرا للناس أن يختاروا لأنفسهم أو يختار
النبي لهم .
قلنا : لو كان النبي قد اختاره لهم لقد كان ذلك خيرا لهم من
اختيارهم لأنفسهم . فإذ لم يختره ( 1 ) لهم فترك اختياره خير لهم ، لأنه
إذا كان أن لو كان اختاره لهم ( 2 ) فقد دل تركه الاختيار أن تركه
الاختيار لهم خير لهم ، إذ كان قد كان اختار الترك دون الاختيار ،
وترك الاختيار ربما ( 3 ) كان اختيارا . وهو في هذه المواضع اختيار ،
لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليختار لهم ترك النص والتسمية
إلا وترك النص والتسمية خير من النص والتسمية .
وإنما هذا مثل قائل لو قال لنا : أرأيتم التأويل الذي قد ضل من أجله
عالم ، والتشبيه ، والوعد والوعيد ، والقدر ، والأسماء ، والاحكام التي قد كفر
من أجلها بشر ، وبسببها تناحر الناس . وإنما كان خيرا لهم أن يعرفوه
بأسره ، وينصوا على حقيقته ، ويكفوا المؤونة فيه ، حتى كان لا يقع
خلاف ، ولا يوجد خطأ ، ولا يشيع فساد ، ولا يتفانى الناس أو يتركوا
ونظرهم ، ويخلوا واختيارهم .
قلنا : الخيرة فيما صنع الله . فلو كان الله بين ذلك بالنص والتفسير
هامش
( 1 ) في الأصل : " لم يختاره " .
( 2 ) كذا وردت هذه العبارة ، وأراها مقحمة .
( 3 ) في الأصل : " بما " .