مجاثاة ( 1 ) الفقهاء ، وكثرة درس كتب الله وكتب الناس ، ومنازعة
الخصم ومقاولة الأكفاء . وهذا كله مما يظهر أمره ، ويشهر مكانه .
ثم الذي يدخل العالم ( 2 ) من خيلاء العلم وعز الحق ، وسرور الظفر
بما أعيا الناس معرفته ، حتى لا يستطيع أن يكتمه وإن اشتد عزمه ، وقل
رياؤه ونفجه ، لان للعلم سورة ، ولانفتاحه بعد استغلاقه فرحة ،
لا يضبطها بشرى وإن اشتدت حنكته ، وقويت منته ، وفضلت قوته .
وإنك لتجد كثيرا من العقلاء يخاطرون بأعناقهم ، لبعض العظمة
يجدونها ( 3 ) في أنفسهم على خصومهم وأكفائهم . حتى لا يمتنعون من
إظهارها والفخر بها ، فما ظنك بالعالم إذا كان بائنا بنفسه ، وكان
في دولته ، وتعظيم الناس موكل بصاحبه كيف يستطيع كتمانه وإماتته ،
مع ما أخذ الله على العالم من حسن الارشاد واحتمال المؤونة ، واستنقاذ
الناس من الجهالة . ومن القيام بحق العلم تعليم الجاهل . فهذا كله يغنى عن
لقاء الكل للكل .
ولو أشكل أمره ولم يبن من أمثاله ، وهو للناس أصلح من غيره ،
فقد أمكن البأس ( 4 ) إذ لو كان ظاهرا لهم إقامته لنبه الله على مواضع
فضله ، ولاذكر الناس ما سقط عنهم من تدبيره ، ولبعث الهمم على حبه
وطلب محاسنه .
هامش
( 1 ) مهملة في الأصل . جاثاه : جعل ركبته إلى ركبته .
( 2 ) في الأصل : " العلما " .
( 3 ) في الأصل : " ويجدونها " .
( 4 ) البأس : الشدة . في الأصل : " وقد أمكن الناس أن لو كان ظاهرا " . وانظر ما سيأتي
ص 269 س 5 .