وإن قالوا : فما قول أبى بكر في خطبته التي خطب بها في أول
خلافته : " وليتكم ولست بخيركم " ؟ وهل يخلو هذا القول من
الصدق والكذب . فإن كان صدقا فهو خلاف قولكم في تفضيله على
جميع أئمتكم ، والرجل كان أعلم بنفسه وبأهل دهره ، وإن كان كاذبا
فأي كذب أقبح من كذب إمام على منبر جماعة ؟ ! ومن أحق بألا يليهم
ويحمل إمامة دينهم ودنياهم ممن يكذب على منبر الرسول من غير
أن يكرهه أحد أو يريده عليه ، أو يكون في تقية كخائف السوط
والسيف ؟ ! بل ما يدعوه إلى الكذب ، والكذب مقبح في العقل مقبح
في الدين ، ولم يكن هناك رهبة تسوقه ولا رغبة تقوده ؟ ! على أن
كذب الرعية ( 1 ) أسخف وأقبح ، وهو لا يخلو من أن يكون صادقا
فلا يسعه أن يتقدم من هو خير منه وقد مكنه تقديمه ، أو يكون كاذبا ( 2 )
فالقول فيه على ما قلنا .
قلنا : إن ( العثمانية ) تذكر لذلك وجوها :
فمنها : أن الحسن كان يقول : والله أعلم أنه كان خيرهم ، ولكن
المؤمن يهضم نفسه . فزعم الحسن أنه إنما تهضم نفسه ووضع منها
لان الخلف المشفق كثيرا ما يزرى على نفسه ويعيب عليها ويستبطئها ( 3 ) .
ويظهر المقت لها والخوف عليها . فهذا كان مذهب الحسن .
وأما قتادة فزعم أنه قوله : " وليتكم ولست بخيركم " إنما أراد
في الحسب ، ليعلمهم أنه إذ يليهم بالحسب فإنما وليهم بالسابقة . لأنهم
هامش
( 1 ) أي الكذب على الرعية . ( 2 ) في الأصل : " كذبا " .
( 3 ) هذه الكلمة تامة الاهمال في الأصل .