تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
في ثمار المدينة إلا بشري أو بقري فإذا أعزنا الله تعالى بالدين نعطيهم الدنية لا نعطيهم إلا السيف . وقال عليه السلام : إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم أنتم وذاك ثم قال للذين جاءوا للصلح : اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف ولما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عن ذلك فأحشفت وقال : عهدي بثماركم بخلاف هذا فقالوا : نهيتنا عن التلقيح وإنما كانت جودة الثمر من ذلك . قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم فتبين أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط ، وبالاتفاق لا تجوز مخالفته فيما ينص عليه من أحكام الشرع ، فعرفنا أن طريق وقوفه على ذلك ما ليس فيه توهم الغلط أصلا وذلك الوحي ، ثم الرأي الذي فيه توهم الغلط إنما يجوز المصير إليه عند الضرورة وهذه الضرورة تثبت في حق الأمة لا في حقه ، فقد كان الوحي يأتيه في كل وقت ، وما هذا إلا نظير التحري في أمر القبلة فإنه لا يجوز المصير إليه لمن كان بمكة معاينا للكعبة ، ويجوز المصير إليه لمن كان نائيا عن الكعبة ، لان من كان معاينا فالضرورة المحوجة إلى التحري لا تتحقق في حقه لوجود الطريق الذي لا يتمكن فيه تهمة الغلط وهو المعاينة ، وكذلك حال رسول الله ( ص ) في العمل بالرأي في الاحكام ، ولأنه عليه السلام كان ينصب أحكام الشرع ابتداء والرأي لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء وإنما هو لتعدية حكم النص إلى نظيره مما لا نص فيه كما في حق الأمة ، لأنه لا يجوز لأحد استعمال الرأي في نصب حكم ابتداء ، فعرفنا أنه إنما كان ينصب الحكم ابتداء بطريق الوحي دون الرأي ، وهذا لان الحق في أحكام الشرع لله تعالى فإنما يثبت حق الله تعالى بما يكون موجبا للعلم قطعا والرأي لا يوجب ذلك ، وبه فارق أمر الحرب والشورى في المعاملات ، لان ذلك من حقوق العباد ، فالمطلوب به الدفع عنهم أو الجر إليهم فيما تقوم به مصالحهم ، واستعمال الرأي جائز في مثله لحاجة العباد إلى ذلك ، فإنه ليس في وسعهم فوق ذلك ، والله تعالى يتعالى عما يوصف به العباد من العجز أو الحاجة ، فما هو حق الله تعالى لا يثبت ابتداء إلا بما يكون موجبا علم اليقين .