تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
يحيط به إلا الله ، وتمام معنى التعظيم في حق من هو دونه أن لا يشتغل بمثل هذا التقسيم في حقه ، وإنما ذكرنا ذلك لدفع طعن المتعنتين . ثم ما بينه بالرأي إذا أقر عليه كان صوابا لا محالة فيثبت به علم اليقين ، بخلاف ما يكون من غيره من البيان بالرأي ، وهو نظير الالهام على ما أشرنا إليه في بيان الوحي الباطن ، وأنه حجة قاطعة في حقه وإن كان الالهام في حق غيره لا يكون بهذه الصفة على ما نبينه في بابه . والدليل على هذه القاعدة ما روي أن خولة رضي الله عنها لما جاءت إليه تسأله عن ظهار زوجها منها قال : ما أراك إلا قد حرمت عليه فقالت : إني أشتكي إلى الله فأنزل الله تعالى قوله : * ( قد سمع الله قول التي تجادلك ) * الآية ، فعرفنا أنه كان يفتي بالرأي في أحكام الشرع وكان لا يقر على الخطأ ، وهذا لأنا أمرنا باتباعه ، قال تعالى : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) * وحين بين بالرأي وأقر على ذلك كان اتباع ذلك فرضا علينا لا محالة ، فعرفنا أن ذلك هو الحق المتيقن به ، ومثل ذلك لا يوجد في حق الأمة ، فالمجتهد قد يخطئ ويقر على ذلك ، فلهذا لم يكن الرأي في حق غيره موجبا علم اليقين ولا صالحا لنصب الحكم به ابتداء ، بل لتعدية حكم النص إلى غير المنصوص عليه . والدليل عليه أنه قد ثبت بالنص عمله بالرأي فيما لم يقر عليه ، وربما عوتب على ذلك وربما لم يعاتب . فمما عوتب عليه ما وقعت الإشارة إليه في قوله تعالى : * ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) * وفي قوله تعالى : * ( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ) * ومما لم يعاتب عليه ما يروى أنه لما دخل بيته ووضع السلاح حين فرغ من حرب الأحزاب أتاه جبريل عليه السلام وقال : وضعت السلاح ولم تضعه الملائكة . وأمره بأن يذهب إلى بني قريظة . ومن ذلك أنه أمر أبا بكر رضي الله عنه بتبليغ سورة براءة إلى المشركين في العام الذي أمره فيه أن يحج بالناس ، فأتاه جبريل عليه السلام فقال : لا يبلغها إليهم إلا رجل منك . فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أثره ليكون هو المبلغ للسورة إليهم ، والقصة في ذلك معروفة ، فبهذا يتبين أنه كان يعمل برأيه ، وكان لا يقر إلا على ما هو الصواب ، ولهذا كان لا تجوز مخالفته في ذلك لأنه حين أقر عليه فقد حصل التيقن بكون الصواب فيه ، فلا يسع لأحد أن يخالفه في ذلك . فأما قوله : * ( وما ينطق عن الهوى ) * فقد قيل : هذا فيما يتلو عليه من