تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
والاجتهاد فإنما يكون من رسول الله بهذا الطريق ، فهو بمنزلة الثابت بالوحي لقيام الدليل على أنه يكون ثوابا لا محالة ، فإنه كان لا يقر على الخطأ فكان ذلك منه حجة قاطعة ، ومثل هذا من الأمة لا يجعل بمنزلة الوحي ، لان المجتهد يخطئ ويصيب ، فقد علم أنه كان لرسول الله ( ص ) من صفة الكمال ما لا يحيط به إلا الله ، فلا شك أن غيره لا يساويه في إعمال الرأي والاجتهاد في الاحكام . وهذا يبتنى على اختلاف العلماء في أنه عليه السلام هل كان يجتهد في الاحكام ويعمل بالرأي فيما لا نص فيه ؟ فأبى ذلك بعض العلماء وقال : هذا الطريق حظ الأمة ، فأما حظ رسول الله ( ص ) هو العمل بالوحي من الوجوه التي ذكرنا . وقال بعضهم : قد كان يعمل بطريق الوحي تارة وبالرأي تارة ، وبكل واحد من الطريقين كان يبين الاحكام . وأصح الأقاويل عندنا أنه عليه السلام فيما كان يبتلى به من الحوادث التي ليس فيها وحي منزل كان ينتظر الوحي إلى أن تمضي مدة الانتظار ، ثم كان يعمل بالرأي والاجتهاد ويبين الحكم به فإذا أقر عليه كان ذلك حجة قاطعة للحكم . فأما الفريق الأول فاحتجوا بقوله تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * وقال تعالى : * ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) * ولأنه لا خلاف أنه كان لا يجوز لأحد مخالفة رسول الله عليه السلام فيما بينه من أحكام الشرع ، والرأي قد يقع فيه الغلط في حقه وفي حق غيره ، فلو كان يبين الحكم بالرأي لكان يجوز مخالفته في ذلك كما في أمر الحرب ، فقد ظهر أنهم خالفوه في ذلك غير مرة واستصوبهم في ذلك ، ألا ترى أنه لما أراد النزول يوم بدر دون الماء قال له الخباب بن المنذر رضي الله عنه : إن كان عن وحي فسمعا وطاعة ، وإن كان عن رأي فإني أرى الصواب أن ننزل على الماء ونتخذ الحياض ، فأخذ رسول الله ( ص ) برأيه ونزل على الماء . ولما أراد يوم الأحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا قام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وقالا : إن كان هذا عن وحي فسمعا وطاعة ، وإن كان عن رأي فلا نعطيهم إلا السيف ، قد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون