تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
الدليل الموجب لثبوت الحكم لا يكون موجبا للبقاء ، وبالانتساخ إنما ينعدم بقاء الحكم ، وذلك ما كان مضافا إلى ما كان موجبا ثبوت الحكم ، فانتهاء الحكم لا يمنع بقاء التلاوة من هذا الوجه . وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه فيما قال علماؤنا : إن صوم كفارة اليمين ثلاثة أيام متتابعة ، بقراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعات . وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة . ولكن لم يوجد فيه النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن ، وابن مسعود لا يشك في عدالته وإتقانه ، فلا وجه لذلك إلا أن نقول كان ذلك مما يتلى في القرآن كما حفظه ابن مسعود رضي الله عنه ثم انتسخت تلاوته في حياة رسول الله ( ص ) ، بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله ، فإن خبر الواحد موجب للعمل به وقراءته لا تكون دون روايته ، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق . والدليل على جوازه ما بينا أن بقاء الحكم لا يكون ببقاء السبب الموجب له ، فانتساخ التلاوة لا يمنع بقاء الحكم ، ألا ترى أن البيع موجب للملك ثم لو قطع المشتري ملكه بالبيع من غيره أو أزاله بالاعتاق لم ينعدم ذلك البيع ، لان البقاء لم يكن مضافا إليه . ثم قد بينا أن حكم تعلق جواز الصلاة بتلاوته وحرمة قراءته على الجنب والحائض مقصود ، وهو مما يجوز أن يكون موقتا ينتهي بمضي مدته فيكون نسخ التلاوة بيان مدة ذلك الحكم ، كما أن نسخ الحكم بيان المدة فيه ، وما توهمه بعضهم فهو غلط بين ، فإن بعدما اعتقدنا في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى لا نعتقد فيه أنه ليس بقرآن وأنه ليس بكلام الله تعالى بحال من الأحوال ، ولكن بانتساخ التلاوة ينتهي حكم تعلق جواز الصلاة به ، وحرمة قراءته على الجنب والحائض لضرورة أن الله تعالى رفع عنا تلاوته وحفظه وهو نظير ما يقول ، فإن رسول الله ( ص ) بعد ما قبض نعتقد فيه أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء عليهم السلام على ما كان في حال حياته وإن أخرجه الله من بيننا بانتهاء مدة حياته في الدنيا . وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى : * ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) * ثم قد بينا أنه يجوز إثبات الحكم ابتداء بوحي غير متلو فلان يجوز بقاء الحكم بعدما انتسخ حكم التلاوة من الوحي المتلو كان أولى .