تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
دليل على قبح فعله في ذلك الوقت بعينه ، يوضحه أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم على وجه يجوز أن يكون مقرونا بالامر ، ولهذا جاز النسخ في الأمر والنهي دون الخبر ، والنسخ قبل التمكن لا يصح مقرونا بالامر ، فإنه لا يستقيم أن يقول افعل كذا إلى أن لا يكون متمكنا منه ثم لا يفعله بعد ذلك ، فعرفنا أن النسخ قبل التمكن لا يجوز . وحجتنا في ذلك الحديث المشهور إن الله تعالى فرض على عباده خمسين صلاة في ليلة المعراج ، ثم انتسخ ما زاد على الخمس لسؤال رسول الله ( ص ) فكان ذلك نسخا قبل التمكن من الفعل إلا أنه كان بعد عقد القلب عليه ، فرسول الله ( ص ) هو الأصل لهذه الأمة ولا شك أنه عقد قلبه على ذلك ، ولا معنى لقولهم إن الله تعالى ما فرض ذلك عزما وإنما جعل ذلك إلى رأي رسوله ومشيئته ، لان في الحديث أن رسول الله عليه السلام سأل التخفيف عن أمته غير مرة وما زال يسأل ذلك ويجيبه ربه إليه حتى انتهى إلى الخمس ، فقيل له : لو سألت التخفيف أيضا فقال : أنا أستحي من ربي وفي هذا بيان أنه لم يكن ذلك مفوضا إلى اختياره بل كان نسخا على وجه التخفيف بسؤاله بعد الفرضية . ومنهم من استدل بقوله : * ( فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) * إلى قوله * ( فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم ) * فإن هذا نسخ الامر قبل الفعل ، ولكنهم يقولون كان هذا النسخ بعد التمكن من الفعل وإن كان قبل مباشرة الفعل ولا خلاف في جواز ذلك ، والأصح هو الأول ، ولان النسخ جائز بعد وجود جزء مما تناوله الامر بالفعل ، فإن قول القائل افعلوا كذا في مستقبل أعماركم يجوز نسخه بالنهي عنه بعد مضي جزء من العمر ، ولولا النسخ لكان أصل الكلام متناولا لجميع العمر ، فبالنسخ يتبين أنه كان المراد الابتلاء بالعمل في ذلك الجزء خاصة ولا يتوهم فيه معنى البداء أو الجهل بعاقبة الامر ، فكذلك النسخ بعد عقد القلب على الحكم ، واعتقاد الحقية فيه قبل التمكن من العمل يكون بيانا أن المراد كان عقد القلب عليه إلى هذا الوقت واعتقاده الفرضية فيه دون مباشرة العمل ، وإنما يكون مباشرة العمل مقصودا لمن ينتفع به ، والله يتعالى عن ذلك ، وإنما المقصود فيما يأمر الله به عباده الابتلاء ، والابتلاء بعزيمة القلب