تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
للخليل عليه السلام بالاسلام لرب العالمين ، وللولد بأن يكون قربانا لله ، وإليه أشار الله تعالى في قوله : * ( فلما أسلما ) * ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق الفداء للولد كما قال : * ( وفديناه بذبح عظيم ) * والفداء اسم لما يكون واجبا بالسبب الموجب للأصل فيه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه فإنه بيان مدة بقاء الواجب ، وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام الذبح ، فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا . ثم على مذهب علمائنا يجوز نسخ الأخف بالأثقل كما يجوز نسخ الأثقل بالأخف . وذكر الشافعي في كتاب الرسالة أن الله تعالى فرض فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة وتخفيفا لعباده ، فزعم بعض أصحابه أنه أشار بهذا إلى وجه الحكمة في النسخ . وقال بعضهم بل أراد به أن الناسخ أخف من المنسوخ وكان لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل ، واستدلوا فيه بقوله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) * وبالاتفاق ليس المراد أن الناسخ أفضل من المنسوخ ، فعرفنا أن المراد أنه خير من حيث إنه أخف ، وعليه نص في موضع آخر فقال : * ( الآن خفف الله عنكم ) * الآية . ولكنا نستدل بقوله : * ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) * فالتقييد بكون الناسخ أخف من المنسوخ يكون زيادة على هذا النص من غير دليل ، ثم المعنى الذي دل على جواز النسخ وهو ما أشرنا إليه من الابتلاء والنقل إلى ما فيه منفعة لنا عاجلا أو آجلا لا يفصل بينهما ، فقد يكون المنفعة تارة في النقل إلى ما هو أخف على البدن ، وتارة في النقل إلى ما هو أشق على البدن ، ألا ترى أن الطبيب ينقل المريض من الغذاء إلى الدواء تارة ، ومن الدواء إلى الغذاء تارة بحسب ما يعلم من منفعته فيه . ثم هو بيان مدة بقاء الحكم على وجه لو كان مقرونا بالامر لكان صحيحا مستقيما ، وفي هذا لا فرق بين الأثقل والأخف ، ولا حجة لهم في قوله : * ( الآن خفف الله عنكم ) * فإن النسخ في ذلك الحكم بعينه كان نقلا من الأثقل إلى الأخف ، وهذا يدل على أن كل نسخ يكون بهذه الصفة ، ألا ترى أن حد الزنا كان في الابتداء هو الحبس والأذى باللسان ثم انتسخ ذلك بالجلد والرجم . ولا شك أن الناسخ أثقل على البدن . وجاء عن معاذ وابن عمر رضي الله عنهم في قوله تعالى : * ( وأن تصوموا خير لكم ) * أن حكمه كان هو التخيير للصحيح بين الصوم والفدية ثم انتسخ ذلك بفرضية الصوم عزما بقوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * وانتسخ حكم إباحة الخمر بالتحريم وهو أشق على