تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
البدن . ثم لا شك أنه قد افترض على العباد بعض ما كان مشروعا لا بصفة الفرضية وإلزام ما كان مباحا يكون أشق لا محالة . وبهذا يتبين أنه ليس المراد من قوله : * ( نأت بخير منها ) * الأخف على البدن ، فإن الحج ما كان لازما قبل نزول قوله تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت ) * وكان كل مسلم مندوبا إلى أدائه ثم صار الأداء لازما بهذه الآية وهذا أشق على البدن ، يوضحه أن ترك الخروج للحج يكون أخف على البدن من الخروج ، ولا إشكال أن الخروج إلى أداء الحج بعد التمكن خير من الترك . فبهذا يتبين ضعف استدلالهم . فصل : في بيان شرط النسخ قال رضي الله عنه : اعلم بأن شرط جواز النسخ عندنا هو التمكن من عقد القلب ، فأما الفعل أو التمكن من الفعل فليس بشرط ، وعلى قول المعتزلة التمكن من الفعل شرط . وحاصل المسألة أن النسخ بيان لمدة عقد القلب والعمل بالبدن تارة ، ولأحدهما وهو عقد القلب على الحكم تارة ، فكان عقد القلب هو الحكم الأصلي فيه ، والعمل بالبدن زيادة يجوز أن يكون النسخ بيانا للمدة فيه ويجوز أن لا يكون عندنا . وعلى قولهم النسخ يكون بيانا لمدة الحكم في حق العمل به وذلك لا يتحقق إلا بعد الفعل أو التمكن منه حكما ، لان الترك بعد التمكن فيه تفريط من العبد فلا ينعدم به معنى بيان مدة العمل بالنسخ . قالوا لان العمل هو المقصود بالأمر والنهي ، ألا ترى أن ورودهما بذكر الفعل معنى قول القائل افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا . وتحقيق معنى الابتلاء في الفعل أيضا ، فعرفنا أنه هو المقصود والنسخ قبل التمكن من الفعل لا يكون إلا بطريق البداء ، ألا ترى أن الانسان يقول قد أمرت عبدي أن يفعل غدا كذا ثم بدا لي فنهيته عنه . وهذا لأنه إنما ينتهي عما أمر بفعله قبل التمكن من الفعل ، بأن يظهر له من حال المأمور به ما لم يكن معلوما حين يأمره به لعلمنا أنه بالامر إنما طلب من المأمور إيجاد الفعل بعد التمكن منه لا قبله ، إذ التكليف لا يكون إلا بحسب الوسع ، والبداء على الله تعالى لا يجوز ، يقرره أن القول بجواز النسخ قبل التمكن يؤدي إلى أن يكون الشئ الواحد حسنا وقبيحا في وقت واحد ، لان الامر دليل على حسن فعل المأمور به عند الامكان ، والنهي قبل التمكن
أصول السرخسي — صفحة 63 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي