تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
لان المستحق جاء يطلب حكم الحادثة وهو جاهل بما هو واجب له ، وكانت هذه أول حادثة وقعت بعد رسول الله ( ص ) مما لم يسمعوا فيه نصا عنه ، فكان يجب عليهم البيان بصفة الكمال ، والسكوت بعد وجوب البيان دليل النفي . وعلى هذا قلنا : إذا ولدت أمة الرجل ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فقال : الأكبر ابني ، فإنه يكون ذلك بيانا منه أن الآخرين ليسا بولدين له ، لان نفي نسب ولد ليس منه واجب ، ودعوى نسب ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي واجب أيضا ، فالسكوت عن البيان بعد تحقق الوجوب دليل النفي فيجعل ذلك كالتصريح بالنفي . وعلى هذا قلنا : البكر إذا بلغها نكاح الولي فسكتت يجعل ذلك إجازة منها باعتبار حالها فإنها تستحي ، فيجعل سكوتها دليلا على جواب يحول الحياء بينها وبين التكلم به وهو الإجازة التي يكون فيها إظهار الرغبة في الرجال ، فإنها إنما تستحي من ذلك . وأما النوع الثالث فنحو سكوت المولى عن النهي عند رؤية العبد يبيع ويشتري ، فإنه يجعل إذنا له في التجارة لضرورة دفع الغرور عمن يعامل العبد ، فإن في هذا الغرور إضرارا بهم والضرر مدفوع ولهذا لم يصح الحجر الخاص بعد الاذن العام المنتشر ، والناس لا يتمكنون من استطلاع رأي المولى في كل معاملة يعاملونه مع العبد ، وإنما يتمكنون من التصرف بمرأى العين منه ، ويستدلون بسكوته على رضاه ، فجعلنا سكوته كالتصريح بالاذن لضرورة دفع الغرور . وكذلك سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط الشفعة لضرورة دفع الغرور عن المشتري ، فإنه يحتاج إلى التصرف في المشتري ، فإذا لم يجعل سكوت الشفيع عن طلب الشفعة إسقاطا للشفعة فإما أن يمتنع المشتري من التصرف أو ينقض الشفيع عليه تصرفه ، فلدفع الضرر والغرور جعلنا ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة ، وإن كان السكوت في أصله غير موضوع للبيان بل هو ضده . وكذلك نكول المدعى عليه عن اليمين يجعل بمنزلة الاقرار منه إما لدفع الضرر عن المدعي فيكون من النوع الثالث ، أو لحال الناكل وهو امتناعه من اليمين المستحقة عليه بعد تمكنه من إيفائه .
أصول السرخسي — صفحة 51 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي