تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
والاستثناء الموصول ليس بكلام آخر فإنه غير مستقل بنفسه ، فأما إذا سكت فقد تم الكلام موجبا لحكمه ، ثم الاستثناء بعد ذلك يكون نسخا بطريق رفع الحكم الثابت فلا يكون بيانا مغيرا ، وأما الشرط فهو مبدل باعتبار أنه يمتنع الوصول إلى المحل وهو العبد في كلمة الاعتاق ويجعل محله الذمة ، وإنما يتحقق هذا إذا كان موصولا ، فأما المفصول يكون رفعا عن المحل يعتبر هذا في المحسوسات ، فإن تعليق القنديل بالحبل في الابتداء يكون مانعا من الوصول إلى مقره من الأرض مبينا أن إزالة اليد عنه لم يكن كسرا ، فأما بعد ما وصل إلى مقره من الأرض تعليقه بالقنديل يكون رفعا عن محله . فتبين بهذا أن الشرط إذا كان مفصولا فإنه يكون رفعا للحكم عن محله بمنزلة النسخ ، وهو لا يملك رفع الطلاق والعتاق عن المحل بعدما استقر فيه ، فلهذا لا يعمل الاستثناء والشرط مفصولا . وعلى هذا قلنا : إذا قال لفلان علي ألف درهم وديعة فإنه يصدق موصولا ولا يصدق إذا قاله مفصولا ، لان قوله وديعة بيان فيه تغيير أو تبديل ، فإن مقتضى قوله علي ألف درهم الاخبار بوجوب الألف في ذمته ، وقوله وديعة فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال ، فإما أن يكون تبديلا للمحل الذي أخبر بصدر الكلام أنه التزمه لصاحبه أو تغييرا لما اقتضاه أول الكلام ، لأنه لازم عليه للمقر له من أصل المال إلى الحفظ ، فإذا كان موصولا كان بيانا صحيحا ، وإذا كان مفصولا كان نسخا فيكون بمنزلة الرجوع عما أقر به . وعلى هذا لو قال لغيره أقرضتني عشرة دراهم أو أسلفتني أو أسلمت إلي أو أعطيتني إلا أني لم أقبض فإن قال ذلك مفصولا لم يصدق ، وإن قال موصولا صدق استحسانا ، لان هذا بيان تغيير ، فإن حقيقة هذه الألفاظ تقتضي تسليم المال إليه ولا يكون ذلك إلا بقبضه ، إلا أنه يحتمل أن يكون المراد به العقد مجازا ، فقد تستعمل هذه الألفاظ للعقد ، فكان قوله لم أقبض تغييرا للكلام عن الحقيقة إلى المجاز فيصح موصولا ولا يصح مفصولا . وإذا قال دفعت إلي ألف درهم أو نقدتني إلا أني لم أقبض فكذلك الجواب عند محمد ، لان الدفع والنقد والاعطاء
أصول السرخسي — صفحة 46 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي