تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
باستثناء حقيقة ، إذ حقيقة الاستثناء في أصل الوضع أن يكون الكلام عبارة عما وراء المستثنى ، والمستثنى هنا لم يتناوله صدر الكلام صورة ومعنى حتى يجعل الكلام عبارة عما وراءه فيكون استثناء منقطعا ، ومعناه لكن لا ثوب له علي . والتصريح بهذا الكلام لا يسقط عنه شيئا من الألف ولا يمنع إعمال أصل الكلام في إيجاب جميع الألف عليه فكذلك اللفظ الذي يدل عليه ، ولهذا قال محمد في قوله إلا كر حنطة إنه تلزمه الألف كاملة . فأما أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما استحسنا هنا فقالا : كلامه استثناء حقيقة باعتبار المعنى ، لان صورة صدر الكلام الاخبار بوجوب المسمى عليه ، ومعناه إظهار ما هو لازم في ذمته ، والمكيل والموزون كشئ واحد في حكم الثبوت في الذمة على معنى أن كل واحد منهما يثبت في الذمة ثبوتا صحيحا بمنزلة الأثمان ، فهذا الاستثناء باعتبار صورة صدر الكلام لا يكون استخراجا ، وباعتبار معناه يكون استخراجا ، على أنه استخرج هذا القدر مما هو واجب في ذمته ، والمعنى يترجح على الصورة لأنه هو المطلوب ، فلهذا جعلنا استثناءه استخراجا على أن يكون كلامه عبارة عما وراء مالية كر حنطة من الألف ، فأما الثوب لا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى ، وهو الثبوت في الذمة ، فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعا والألف تثبت في الذمة ثمنا فلا يمكن جعل كلامه استخراجا باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى ، فلهذا جعلناه استثناء منقطعا . ثم قال الشافعي بناء على أصله : الاستثناء متى تعقب كلمات معطوفة بعضها على بعض ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره ، لأنه معارض مانع للحكم بمنزلة الشرط ، ثم الشرط ينصرف إلى جميع ما سبق حتى يتعلق الكل به فكذلك الاستثناء . واستدل عليه بقوله تعالى في آية قطاع الطريق : * ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) * فإنه ينصرف إلى جميع ما تقدم ذكره . وقال علماؤنا : الاستثناء تغيير وتصرف في الكلام فيقتصر على ما يليه خاصة