تأخير البيان أدى إلى تكليف ما ليس في الوسع ، يوضحه أنه لا يحسن خطاب
العربي بلغة التركية ولا خطاب التركي بلغة العرب إذا علم أنه لا يفهم ذلك
إلا أن يكون هناك ترجمان يبين له ، وإنما لا يحسن ذلك لان المقصود بالخطاب
إفهام السامع وهو لا يفهم فكذلك الخطاب بلفظ مجمل بدون بيان يقترن به لا يكون
حسنا شرعا ، لان المخاطب لا يفهم المراد به ، وإنما يصح مع البيان لان المخاطب
يفهم المراد به . ولكنا نقول : الخطاب بالمجمل قبل البيان مفيد وهو الابتلاء
باعتقاد الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به ، وإنما يكون هذا تكليف
ما ليس في الوسع أن لو أوجبنا العمل به قبل البيان ولا نوجب ذلك ، ولكن
الابتلاء باعتقاد الحقية فيه أهم من الابتلاء بالعمل به فكان حسنا صحيحا من هذا
الوجه ، ألا ترى أن الابتلاء بالمتشابه كان باعتقاد الحقية فيما هو المراد به من
غير انتظار البيان فلان يكون الابتلاء باعتقاد الحقية في المجمل مع انتظار البيان
صحيحا كان أولى . ومخاطبة العربي بلغ التركية تخلو عن هذه الفائدة ، وإليه أشار
الله في قوله تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) * وبيان
ما قلنا في قصة موسى عليه السلام مع معلمه فإنه كان مبتلى باعتقاد الحقية فيما فعله
معلمه مع انتظار البيان ، وما كان سؤاله في كل مرة إلا استعجالا منه للبيان الذي
كان منتظرا له ، ولهذا قال بعدما بينه له ما أخبر الله عن معلمه * ( ذلك تأويل ما لم
تسطع عليه صبرا ) * .
ثم اختلف العلماء في جواز تأخير دليل الخصوص في العموم فقال علماؤنا رحمهم
الله : دليل الخصوص إذا اقترن بالعموم يكون بيانا ، وإذا تأخر لم يكن بيانا
بل يكون نسخا . وقال الشافعي : يكون بيانا سواء كان متصلا بالعموم
أو منفصلا عنه . وإنما يبتنى هذا الخلاف على الأصل الذي قلنا إن مطلق
العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعا كالخاص ، وعند الشافعي يوجب الحكم
على احتمال الخصوص بمنزلة العام الذي ثبت خصوصه بالدليل فيكون دليل الخصوص
على مذهبه فيهما بيان التفسير لا بيان التغيير فيصح موصولا ومفصولا . وعندنا لما
أصول السرخسي — صفحة 29
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٩