تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
تأخير البيان أدى إلى تكليف ما ليس في الوسع ، يوضحه أنه لا يحسن خطاب العربي بلغة التركية ولا خطاب التركي بلغة العرب إذا علم أنه لا يفهم ذلك إلا أن يكون هناك ترجمان يبين له ، وإنما لا يحسن ذلك لان المقصود بالخطاب إفهام السامع وهو لا يفهم فكذلك الخطاب بلفظ مجمل بدون بيان يقترن به لا يكون حسنا شرعا ، لان المخاطب لا يفهم المراد به ، وإنما يصح مع البيان لان المخاطب يفهم المراد به . ولكنا نقول : الخطاب بالمجمل قبل البيان مفيد وهو الابتلاء باعتقاد الحقية فيما هو المراد به مع انتظار البيان للعمل به ، وإنما يكون هذا تكليف ما ليس في الوسع أن لو أوجبنا العمل به قبل البيان ولا نوجب ذلك ، ولكن الابتلاء باعتقاد الحقية فيه أهم من الابتلاء بالعمل به فكان حسنا صحيحا من هذا الوجه ، ألا ترى أن الابتلاء بالمتشابه كان باعتقاد الحقية فيما هو المراد به من غير انتظار البيان فلان يكون الابتلاء باعتقاد الحقية في المجمل مع انتظار البيان صحيحا كان أولى . ومخاطبة العربي بلغ التركية تخلو عن هذه الفائدة ، وإليه أشار الله في قوله تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) * وبيان ما قلنا في قصة موسى عليه السلام مع معلمه فإنه كان مبتلى باعتقاد الحقية فيما فعله معلمه مع انتظار البيان ، وما كان سؤاله في كل مرة إلا استعجالا منه للبيان الذي كان منتظرا له ، ولهذا قال بعدما بينه له ما أخبر الله عن معلمه * ( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) * . ثم اختلف العلماء في جواز تأخير دليل الخصوص في العموم فقال علماؤنا رحمهم الله : دليل الخصوص إذا اقترن بالعموم يكون بيانا ، وإذا تأخر لم يكن بيانا بل يكون نسخا . وقال الشافعي : يكون بيانا سواء كان متصلا بالعموم أو منفصلا عنه . وإنما يبتنى هذا الخلاف على الأصل الذي قلنا إن مطلق العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعا كالخاص ، وعند الشافعي يوجب الحكم على احتمال الخصوص بمنزلة العام الذي ثبت خصوصه بالدليل فيكون دليل الخصوص على مذهبه فيهما بيان التفسير لا بيان التغيير فيصح موصولا ومفصولا . وعندنا لما