تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
وهذا بخلاف النسخ فإن الواجب اعتقاد الحقية في الحكم النازل ، فأما في حياة رسول الله عليه السلام فما كان يجب اعتقاد التأبيد في ذلك الحكم ، ولا إطلاق القول بأنه مؤبد ، لان الوحي كان ينزل ساعة فساعة ويتبدل الحكم كالصلاة إلى بيت المقدس وتحريم شرب الخمر وما أشبه ذلك ، وإنما اعتقاد التأبيد فيه وإطلاق القول به بعد رسول الله لقيام الدليل على أن شريعته لا تنسخ بعده بشريعة أخرى . فأما قوله تعالى * ( ثم إن علينا بيانه ) * فنقول : بالاتفاق ليس المراد جميع ما في القرآن فإن البيان من القرآن أيضا فيؤدي هذا القول بأن لذلك البيان بيانا إلى ما لا يتناهى ، وإنما المراد بعض ما في القرآن وهو المجمل الذي يكون بيانه تفسيرا له ونحن نجوز تأخير البيان في مثله ، فأما فيما يكون مغيرا أو مبدلا للحكم إذا اتصل به ، فإذا تأخر عنه يكون نسخا ولا يكون بيانا محضا ، ودليل الخصوص في العام بهذه الصفة . ونظيره المحكمات التي هن أم الكتاب ، فإن فيها ما لا يحتمل النسخ ويحتمل بيان التقرير كصفات الله جل جلاله ، فكذلك ما ورد من العام مطلقا قلنا إنه يحتمل البيان الذي هو نسخ ، ولكنه لا يحتمل البيان المحض وهو ما يكون تفسيرا له إذا كان منفصلا عنه . فأما قوله تعالى : * ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ) * قلنا البيان هنا موصول فإنه قال : * ( إلا من سبق عليه القول ) * والمراد ما سبق من وعد إهلاك الكفار بقوله تعالى : * ( إنهم مغرقون ) * . فإن قيل : ففي ذلك الوعد نهي لنوح عليه الصلاة والسلام عن الكلام فيهم كما قال تعالى : * ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) * فلو كان قوله * ( إلا من سبق عليه القول ) * منصرفا إلى ذلك لما استجاز نوح عليه الصلاة والسلام سؤال ابنه بقوله * ( إن ابني من أهلي ) * قلنا : إنما سأل لأنه كان دعاه إلى الايمان وكان يظن فيه أنه يؤمن حين تنزل الآية الكبرى وامتد رجاؤه لذلك إلى أن آيسه الله تعالى من ذلك بقوله تعالى : * ( إنه عمل غير صالح ) * فأعرض عنه عند ذلك وقال : * ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) * ونظيره استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه ( بناء على رجاء أن يؤمن كما وعد ، وإليه أشار في قوله تعالى : * ( وما كان استغفار إبراهيم