تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وكذلك القياس يأبى جواز السلم باعتبار أن المعقود عليه معدوم عند العقد ، تركناه بالنص وهو الرخصة الثابتة بقوله عليه السلام : ( ورخص في السلم ) وأما ترك القياس بدليل الاجماع فنحو الاستصناع فيما فيه للناس تعامل ، فإن القياس يأبى جوازه ، تركنا القياس للاجماع على التعامل به فيما بين الناس من لدن رسول الله ( ص ) إلى يومنا هذا ( وهذا ) لان القياس فيه احتمال الخطأ والغلط ، فبالنص أو الاجماع يتعين فيه جهة الخطأ فيه ، فيكون واجب الترك لا جائز العمل به في الموضع الذي تعين جهة الخطأ فيه . وأما الترك لأجل الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعدما نجست ، والحكم بطهارة الثوب النجس إذا غسل في الإجانات ، فإن القياس يأبى جوازه ، لان ما يرد عليه النجاسة يتنجس بملاقاته ، تركناه للضرورة المحوجة إلى ذلك لعامة الناس ، فإن الحرج مدفوع بالنص ، وفي موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ فيه بالقياس فكان متروكا بالنص . وكذلك جواز عقد الإجارة فإنه ثابت بخلاف القياس لحاجة الناس إلى ذلك ، فإن العقد على المنافع بعد وجودها لا يتحقق لأنها لا تبقى زمانين فلا بد من إقامة العين المنتفع بها مقام الإجارة في حكم جواز العقد لحاجة الناس إلى ذلك . ثم كل واحد منهما نوعان في الحاصل : فأحد نوعي القياس ما ضعف أثره وهو ظاهر جلي ، والنوع الآخر منه ما ظهر فساده واستتر وجه صحته وأثره . وأحد نوعي الاستحسان ما قوي أثره وإن كان خفيا ، والثاني ما ظهر أثره وخفي وجه الفساد فيه . وإنما يكون الترجيح بقوة الأثر لا بالظهور ولا بالخفاء ، لما بينا أن العلة الموجبة للعمل بها شرعا ما تكون مؤثرة ، وضعيف الأثر يكون ساقطا في مقابلة قوي الأثر ظاهرا كان أو خفيا ، بمنزلة الدنيا مع العقبى . فالدنيا ظاهرة والعقبى باطنة ، ثم ترجح العقبى حتى وجب الاشتغال بطلبها والاعراض عن طلب الدنيا لقوة الأثر من حيث البقاء