تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك ، وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ليس بحجة لاتباع هوى أو شهوة نفس ؟ فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة فالحجة الشرعية هو حق وماذا بعد الحق إلا الضلال ، وإن كانوا يريدون ترك القياس الباطل شرعا فالباطل مما لا يشتغل بذكره . وقد ذكروا في كتبهم في بعض المواضع أنا نأخذ بالقياس ، فإن كان المراد هذا فكيف يجوزون الاخذ بالباطل . وذكر من هذا الجنس ما يكون دليل قلة الحياء وقلة الورع وكثرة التهور لقائله . فنقول وبالله التوفيق : الاستحسان لغة : وجود الشئ حسنا ، يقول الرجل : استحسنت كذا : أي اعتقدته حسنا على ضد الاستقباح ، أو معناه : طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به ، كما قال تعالى : * ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) * وهو في لسان الفقهاء نوعان : العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولا إلى آرائنا نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى : * ( متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) * أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة وشرط أن يكون بالمعروف ، فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي . وكذلك قوله تعالى : * ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) * ولا يظن بأحد من الفقهاء أنه يخالف هذا النوع من الاستحسان . والنوع الآخر هو الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه ، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة ، فإن العمل به هو الواجب ، فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل على معنى أنه يمال بالحكم عن ذلك الظاهر لكونه مستحسنا لقوة دليله ، وهو نظير عبارات أهل الصناعات في التمييز بين الطرق لمعرفة المراد ، فإن أهل النحو يقولون : هذا نصب على التفسير ، وهذا نصب على المصدر ، وهذا نصب على الظرف ، وهذا نصب على التعجب ،