تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وما وضعوا هذه العبارات إلا للتمييز بين الأدوات الناصبة . وأهل العروض يقولون : هذا من البحر الطويل ، وهذا من البحر المتقارب ، وهذا من البحر المديد ، فكذلك استعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين الدليلين المتعارضين ، وتخصيص أحدهما بالاستحسان لكون العمل به مستحسنا ، ولكونه مائلا عن سنن القياس الظاهر ، فكان هذا الاسم مستعارا لوجود معنى الاسم فيه ، بمنزلة الصلاة فإنها اسم للدعاء ثم أطلقت على العبادة المشتملة على الأركان من الافعال والأقوال لما فيها من الدعاء عادة . ثم استحسان العمل بأقوى الدليلين لا يكون من اتباع الهوى وشهوة النفس في شئ . وقد قال الشافعي في نظائر هذا : أستحب ذلك . وأي فرق بين من يقول أستحسن كذا ، وبين من يقول أستحبه ؟ بل الاستحسان أفصح اللغتين ، وأقرب إلى موافقة عبارة الشرع في هذا المراد . وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس في موضع الاستحسان ، وشبه ذلك بالطرد مع المؤثر ، فإن العمل بالمؤثر أولى وإن كان العمل بالطرد جائزا . قال رضي الله عنه : وهذا وهم عندي فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر المسائل : إلا أنا تركنا هذا القياس ، والمتروك لا يجوز العمل به ، وتارة يقول إلا أني أستقبح ذلك ، وما يجوز العمل به من الدليل شرعا فاستقباحه يكون كفرا ، فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان ، وبه يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة ولكن باعتبار سقوط الأضعف بالأقوى أصلا . وقد قال في كتاب السرقة : إذا دخل جماعة البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه : في القياس القطع على الحمال خاصة ، وفي الاستحسان يقطعون جميعا . وقال في كتاب الحدود : إذا اختلف شهود الزنا في والزاويتين في بيت واحد : في القياس لا يحد المشهود عليه ، وفي الاستحسان يقام الحد . ومعلوم أن الحد يسقط بالشبهة وأدنى درجات المعارضة إيراث الشبهة ، فكيف يستحسن إقامة الحد في موضع الشبهة . وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله :