للعلل المنقولة عن رسول الله ( ص ) وعن الصحابة والسلف من
الفقهاء ، رضوان الله عليهم أجمعين .
فمن ذلك قول رسول الله ( ص ) في الهرة : إنها من الطوافين
عليكم والطوافات لأنها علة مؤثرة فيما يرجع إلى التخفيف ، لأنه عبارة عن
عموم البلوى والضرورة في سؤره ، وقد ظهر تأثير الضرورة في إسقاط حكم الحرمة
أصلا بالنص ، وهو قوله تعالى : * ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) *
والإشارة إليه لدفع نجاسة سؤره أو لاثبات حكم التخفيف في سؤره يكون
استدلالا له بعلة مؤثرة . وكذلك قوله عليه السلام : إنها دم عرق انفجر
فإنه استدلال بعلة مؤثرة في نقض الطهارة ، وهو أن الدم في نفسه نجس ،
وبالانفجار يصل إلى موضع يجب تطهير ذلك الموضع منه ، ووجوب التطهير
لا يكون إلا بعد وجود ما يعدم الطهارة .
فإن قيل : هذا ليس بتعليل منه لانتقاض الطهارة بدم الاستحاضة بل لبيان
أنه ليس بدم الحيض . قلنا : قد قال أولا ليست بالحيضة ، وهذا اللفظ كاف
لهذا المقصود فلا بد من أن يحمل قوله ( ولكنها دم عرق انفجر ) على فائدة
جديدة وليس ذلك إلا بيان علة للحدث الموجب للطهارة . وقال عليه السلام
لعمر رضي الله عنه في القبلة : أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك ؟
فهذا إشارة إلى علة مؤثرة ، أي الفطر ضد الصوم ، وإنما يتأدى الصوم بالكف
عن اقتضاء الشهوتين ، فكما أن اقتضاء شهوة البطن بما يصل إلى الحلق لا بما
يصل إلى الفم حتى لا تكون المضمضة موجبة للفطر ، فكذلك اقتضاء شهوة
الفرج يكون بالايلاج أو الانزال لا بمجرد القبلة التي هي المقدمة . وكذلك قوله
للخثعمية : أرأيت لو كان على أبيك دين ؟ الحديث ، هو إشارة إلى العلة
المؤثرة وهو أن صاحب الحق يقبل من غير من عليه الحق إذا جاء بحقه فأداه
على سبيل الاحسان والمساهلة مع من عليه الحق ، والله هو المحسن المتفضل
على عباده فهو أحق من أن يقبل منك . وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم :
أرأيت لو تمضمضت بماء أكنت شاربه ؟ ففيه إشارة إلى علة مؤثرة وهو
أصول السرخسي — صفحة 187
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٨٧