تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
فعرفنا أنه حق عندنا وإن كنا لا نقطع القول بأنه الحق عند الله تعالى ، فقد يصيب المجتهد ذلك باجتهاده وقد يخطئ ، ثم التكليف بحسب الوسع وليس في وضعنا الوقوف على ما هو حق عند الله لا محالة ، وإنما الذي في وسعنا طلبه بطريق الاعتبار الذي أمرنا به وبعد إصابة ذلك الطريق يلزمنا العمل به فكذلك في الاحكام ، وما أشاروا إليه من الفرق بين ما هو محض حق الله تعالى وبين ما فيه حق العباد ليس بقوي ، لان المطلوب هنا جهة القبلة لأداء ما هو محض حق الله تعالى والله تعالى موصوف بكمال القدرة ، ومع ذلك أطلق لنا العمل بالرأي فيه ، إما لتحقيق معنى الابتلاء ، أو لأنه ليس في وسعنا ما هو أقوى من ذلك بعد انقطاع الأدلة الظاهرة ، وهذا المعنى بعينه موجود في الاحكام ، ثم الاحتمال الذي يبقى بعد استعمال الرأي بمنزلة الاحتمال في خبر الواحد ، فإن قول صاحب الشرع موجب علم اليقين وإنما يثبت في حقنا العلم والعمل به إذا بلغنا ذلك ، وفي البلوغ والاتصال برسول الله ( ص ) احتمال ، فكذلك الحكم في المنصوص ثابت بالنص على وجه يوجب علم اليقين ، وفيه معنى هو مؤثر في الحكم شرعا ولكن في بلوغ الآراء وإدراك ذلك المعنى نوع احتمال ، فلا يمنع ذلك وجوب العمل به عند انعدام دليل هو أقوى منه ، ولهذا شرطنا للعمل بالرأي أن تكون الحادثة لا نص فيها من كتاب ولا سنة ، فتبين أن فيما قلنا مبالغة في المحافظة على النصوص بظواهرها ومعانيها ، فإنه ما لم يقف على النصوص لا يعرف أن الحادثة لا نص فيها وما لم يقف على معاني النصوص لا يمكنه أن يرد الحادثة إلى ما يكون مثلها من النصوص ، ثم مع ذلك فيه تعميم المعنى في الفروع وتعظيم ما هو حق الله تعالى ، فإن اعتقاد الحقية في الحكم المنصوص ثابت بالنص ، ومعنى شرح الصدر وطمأنينة القلب ثابت بالوقوف على المعنى . ولا معنى لاستدلالهم باختلاف أحكام النصوص ، لأنا إنما نجوز استعمال الرأي عند معرفة معاني النصوص وإنما يكون هذا فيما يكون معقول المعنى ، فأما فيما لا يعقل المعنى فيه فنحن لا نجوز إعمال الرأي لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه ، وسيأتيك بيان هذا في شرط القياس ، ويتبين بهذا أن مراد رسول الله